بقلم روماني مكرم 2

تجمّد الدم في عروق ياسين، وسقطت السماعة من يده لتتدلى بخيطها البلاستيكي الملتوي، بينما استمر الصوت الأنثوي الناعم يخرج منها بفحيح أشبه بصفير الأفاعي:

— “ياسين؟ ساكت ليه؟ متقلقش… أنا مش جاية آخد منك حاجة، أنا جاية أرجع حق القديم كله.”

انقطع الخط فجأة، وساد الصمت أرجاء الشقة مرة أخرى، لكنه لم يكن صمتاً عادياً… كان صمتاً ثقيلاً ملغوماً بالخوف والشك.

نظر إليّ ياسين بملامح شاحبة كالموتى، حاولتُ أن أتبين حقيقة ما يحدث، لكن رأسي كان يدور. كل شيء ينهار دفعة واحدة: عشر سنوات من الاستقرار تلاشت في لحظات، والرجل الذي كنت أظنه حمايتي وأماني يقف أمامي الآن عاجزاً، مذعوراً، يخبئ في ماضيه وحاضره أسراراً مدمّرة.

صرختُ فيه بصوت خفيض ومخنوك:

— “حق القديم إيه؟ مين دي يا ياسين؟ رد عليا بدل ما أنت واقف زي الصنم كده!”

اقترب مني بسرعة وحاول أن يمسك بذراعي، لكنني دفعت يده بقوة وجفوف:

— “إياك تلمسني! قولي الحقيقة… ريم دي مين؟ وليه بتتصل على تليفون البيت؟ إزاي تعرف رقم بيتنا أصلاً؟”

مسح ياسين العرق المتصبب على جبهته، ونظر نحو غرفة ابنتنا بنظرة مليئة بالرعب، ثم قال بصوت هادئ ومتقطع يحاول به السيطرة على الموقف:

— “ندى… ارجوكِ اسمعيني كويس. ريم دي مش مجرد سجينة دخلت السجن في ق*ضية عادية… ريم تبقى بنت ‘توفيق الخشاب’!”

عندما نطق ذلك الاسم، شعرت ببرودة تسري في أطرافي.

توفيق الخشاب… كان هذا الاسم سبب الكوابيس التي عاشها ياسين قبل خمس سنوات، أحد أكبر تجار الس*لاح الذين ألقى ياسين القبض عليهم في مأمورية شهيرة، وصدر ضده حكم بالسجن المشدد، لكنه توفي داخل سجنه بعد عام واحد.

تابع ياسين بنبرة متسارعة وهو يتحرك في الصالة بقلق:

— “لما ابوه مات في السجن، هي حلفت إنها هتدمرني… دخلت السجن في قض*ية مخ*درات مصنعة، ولما أتمسكت في دائرني، عرفت إنها متسبتش الق/ضية بالصدفة، دي كانت داخلة العنبر برجلها عشان توصل لي. الجواز العرفي ده كان الطُعم اللي بلعته عشان أقدر أسيطر على الشبكة اللي بتديرها من جوة السجن… أنا كنت فاكر إني بشتغلها، بس يظهر إنها هي اللي كانت بتلعب بيا طول الوقت!”

سقطتُ على الأريكة المجاورة، وأمسكتُ برأسي بين يدي.

— “يعني أنت اتجوزتها عرفي عشان الشغل؟ ولا عشان هي عرفت تضحك عليك؟ أنت خنتني يا ياسين… خنتني مع وحدة حاطة مس*دس على رقبتك ورقبة بنتك!”

1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *