بقلم روماني مكرم 2

نظر إليّ بعينين ملطختين بالندم والترجي:

— “أنا غلطت… غلطت لما افتكرت إني قادر ألعب العبة دي لوحدي ومبلغتش القيادة بالتفاصيل. كنت فاكر إني حامي بيتي وبنتي لما أخلص الموضوع ده في السر… بس هي طلعت أذكياء من كل التوقعات، وعرفت تخرج النهاردة!”

قبل أن أتمكن من الرد، سمعنا حركة خفيفة في الممر المؤدي للغرف.

التفتنا نحن الاثنين بلهفة… كانت ابنتنا الصغيرة “جنى” تقف في منتصف الممر، تمسك بدميتها الصغيرة وتفرك عينيها بنعاس:

— “ماما… بابي… أنتم بتتكلموا بصوت عالٍ ليه؟”

تغيرت ملامح ياسين في ثانية. اختفى الخوف وحل محله قناع الأب الحنون فوراً، بلع غصته واقترب منها بابتسامة مصطنعة وجثا على ركبتيه أمامها:

— “مفيش حاجة يا حبيبة بابي… صحيتي ليه؟ تعالي أدخلك تنامي تاني.”

أخذها في حضنه وحملها إلى غرفتها، بينما بقيتُ أنا في الصالة أسترجع كل كلمة.

كانت الشكوك تتآكلني… هل ياسين يقول الحقيقة كاملة؟ أم أن ورقة الزواج العرفي كانت مجرد نزوة وسقوط منه، وأنه الآن يحاول التغطية عليها بحكاية “الانتقام وتوفيق الخشاب”؟

بعد دقائق، خرج ياسين من غرفة جنى وأغلق الباب ببطء. كان وجهه متيبساً.

توجه فوراً إلى المكتب الصغير في زاوية الصالة، فتح الدرج السري، وأخرج منه مس/دسه الميري الإضافي وخرطوشة طلقات.

وقفتُ مرعوبة:

— “أنت بتعمل إيه؟”

قال وهو يشحن المس/دس بنظرات جامدة:

— “ريم مش هتسكت… والرسالة اللي أتبعتتلك والاتصال ده كان عشان تشتت انتباهي. هي عارفة إني هجيبها… بس هي مش بتتحرك لوحدها، في حد جوة القطاع بيساعدها، حد هو اللي هربها وهو اللي إداها رقم البيت.”

اقترب مني ووضع يديه على كتفي، وكانت يداه باردتين كالثلج:

— “ندى… أنا عارف إنك مش قادرة تصدقيني، وعارف إن الجرح كبير… بس وحياة بنتنا، لو في عمري بقية هصلح كل حاجة. بس دلوقت لازم تقفلي الباب ده بالمفتاح من جوة، ومفتحيش لأي حد مهما كان… أنا نازل ومش راجع غير وهي في إيدي، أو…”

صمت ولم يكمل الجملة.

— “أو إيه يا ياسين؟” سألته بصوت يرتجف.

لم يجيب. قبل رأسي بسرعة، ثم خرج مسرعاً وأغلق الباب خلفه بقوة، ليعود الصمت الموحش يلف المكان.

جلستُ بجوار الباب، أمسك بمفتاح الشقة، وقلبي يدق كطبول الحرب.

كان الوقت يمر ببطء قاتل… مرت ساعة… ساعتان… والساعة تشير إلى الخامسة صباحاً والظلام يبدأ في الانسحاب تدريجياً أمام ضوء الفجر الخافت.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *