بقلم روماني مكرم 1

حماتي خلتني أطبخ لخطيب بنتها وأهله وأمي فى المستشفى بتطلع في الروح.. ولما عرفت إنها ماتت قالتلي: “كملي حشو البط، الحي أبقى من الميت”
التليفون رن.. كانت أختي بتصرخ وتقولي: “إلحقي يا رانيا. ماما في العناية المركزة والدكتور بيقول حالتها خطرة جداً، تعالي بسرعة عايزه تشوفك!”
التليفون وقع من إيدي، والدنيا لفت بيا. جريت على باب الشقة وأنا بلم هدومي في أي شنطة وبصرخ: “ياشريف.. يا شريف إلحقني أمي بتموت!”
طلع شريف جوزي من الحمام مخضوض، وقبل ما ينطق، خرجت حماتي قدرية من أوضتها، بتسحب رجليها وبتبصلي ببرود وقالت:
— “في إيه يا بت صوتك جايب آخر الشارع؟ إحنا مش في سوق.”
جريت عليها أبوس إيدها ودموعي مغرقة وشي:
— “أبوس إيدك يا ماما.. أمي بتموت في المستشفى، لازم أروحلها دلوقتي حالاً.. والنبي خلي شريف يوصلني.”
بصت لـ شريف وقالت بجمود:
— “يوصلك فين يا عنيا؟ وشريف ماله ومال المستشفيات؟ وبعدين إنتي نسيتي ولا بتستهبلي؟ النهاردة خطيب بنتي وأهله جايين بليل عشان يباركوا ويتعشوا.. ومين هيعمل العشا؟”
اتصدمت.. حسيت إن وداني بتصفر.
— “عشا إيه يا ماما؟! بقولك أمي بتموت! بتقارني أمي بعزومة بط وأكل؟”
ردت وهي بتعدل طرحتها:
— “الأصول أصول يارانيا الناس جايين وبيتنا مفتوح، ومش عشان أمك تعبانة شوية نقفل بيتنا ونكسف بنتي قدام خطيبها وأهله. ادخلي المطبخ خلصي الطبيخ، وبعد ما الناس تتعشى وتمشي، يبقى **شريف** يوديكي تطمني.”
بصيت لـ شريف وأنا بترجاه بعيني، كنت فاكراه هيكون سندي:
— شريف.. قول حاجة! دي حماتك.. دي أمي!”
شريف نزل عينه في الأرض وقال بصوت واطي:
— “يارانيا.. أمي معاها حق، إحنا عزمنا الناس خلاص وعيب نكسفهم ونرجع في كلمتنا. خلصي الأكل بسرعة ومش هتاخدي وقت، وأنا هبقى أوديكي.”
صرخت في وشهم:
— “إنتوا إيه؟! كفرة؟ معندكوش دم؟ بقولكم بيمووووت!”
ومشيت ناحية باب الشقة عشان أخرج غصب عنهم.
فجأة لقيت “**قدرية**” بتصرخ: “اقفل الباب يا **شريف** بالمفتاح! مراتك لو خرجت وكسرت كلمتي يبقى تحرم عليك ليوم الدين!”
**شريف** زي المنوم مغناطيسياً، جري قفل باب الشقة وشال المفتاح في جيبه.
وقفت مصدومة، جسمي كله بيترعش:
— “هتحبسني يا **شريف**؟ عشان خاطر أمك هتحبسني وأمي بتموت؟”
حماتي زقتني ناحية المطبخ وقالت:
— “انجزي.. قدامك 3 ساعات والناس تيجي. لو الأكل ماخلصش، قسماً بالله ما هتروحي ولا هتعتبيه، وهخلي **شريف** يرميكي رمية الكلاب.”
دخلت المطبخ وأنا حاسة إني في كابوس. الريحة كانت تخنق.. ريحة البصل والتحمير كانت بتقلب معدتي. دموعي كانت بتنزل في الخلطة وأنا بجهّز الأكل. كل دقيقة بتعدي كأنها سنة.
موبايلى رن تاني.. أختي.
رديت وأنا إيدي بترتعش: “ألو.. أيوه يا **نهى**، أنا جاية والله.. مسافة الطريق.”
صوت **نهى** كان مبحوح ومكتوم:
— “خلاص يا **رانيا**.. أمك تعيشي إنتي.”
الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة. الموبايل وقع من إيدي.
صرخت صرخة مكتومة قطعت أحبالي الصوتية. قعدت على أرض المطبخ، ولطمت على وشي لحد ما خدودي ورمت.
“ماتت.. أمي ماتت وأنا هنا بحشي البط عشان خطيب بنتها وأهله.”
باب المطبخ اتفتح، ودخلت حماتي شمت الريحة وبصتلي وأنا منهارة في الأرض، وقالت بقسوة:
— “بتصوتي ليه؟ الأكل شاط؟”
رفعت راسي وبصيتلها بعيون كلها دم وغل:
— “أمي ماتت.. ارتاحتي؟ أمي ماتت وأنا محبوسة هنا!”
توقعت إنها تتخض، تعتذر، تقول “البقاء لله”.. لكنها مصمصت شفايفها وقالت:
— “العمر واحد.. كلنا هنموت. قومي كملي الأكل، الناس زمانهم على وصول. مش وقته النكد ده، اخفي دموعك دي واغسلي وشك.. الحي أبقى من الميت.”
اللحظة دي.. حسيت بحاجة انكسرت جوايا.. وحاجة تانية اتولدت. حاجة سودا، باردة، وقاسية.
قمت وقفت. مسحت دموعي بطرف جلابيتي المتبهدلة.
بصيتلها بابتسامة مكسورة خوفتها للحظة:
— “حاضر يا ماما.. الحي أبقى من الميت. هكمل الأكل.. وهغرف للناس بإيدي.. وهشرفك.”
خرجت وهي مستغربة هدوئي المفاجئ.
كملت الطبيخ.. رصيت الصواني.. ريحة الأكل كانت مالية البيت.
بس وأنا بحط “الشوربة” في الأطباق، بصيت لعلبة الدوا بتاعة حماتي اللي محطوطة على الرف في المطبخ.. دواء السيولة اللي لو زادت جرعته بيعمل نزيف داخلي ملوش حل.
إيدي امتدت للعلبة.. وعقلي كان بيكرر جملة واحدة: “الحي أبقى من الميت يا **قدرية**.”
خرجت بالصواني لخطيب بنتها وأهله اللي وصلوا، ووشي كان خالي من أي تعبير.. و**شريف** بيبصلي ومستغرب إني سكت.
#الكاتب_رومانى_مكرم_روميو
حطيت الأكل قدامهم، وقدام حماتي، وقلت بصوت هادي:
— “كلوا بالهنا والشفا.. دي صينية معمولة بنار قلبي.”
حماتي بدأت تاكل بنهم وهي بتباهى بالأكل قدام أهل العريس.. وأنا واقفة بتفرج.. وبعد دقايق.. بدأت “**قدرية**” تكح.. وشها يحمر.. وفجأة مسكت بطنها وصرخت صرخة هزت البيت كله..— “يا ترى إيه اللي هيحصل لـ **قدرية**؟ وهل **رانيا** هتاخد حق أمها والكل هيشرب من نفس الكأس، ولا اللعبة لسه فيها كلام تاني؟”
و سيبلى لايك وكومنت بالصلاه على النبي وهرد عليك بباقى القصه كامله للنهايه حكايات رومانى مكرم @أبرز المعجبينحماتي قدرية كحت كحة ناشفة ومكتومة، ووشها انقلب من اللون الأحمر للون الأزرق الباهت في ثواني معدودة. رمت المعلقة من إيدها بغضب ووجع، وحطت إيدها الاتنين على رقبتها كأنها بتتخنق، وعينيها جحظت لبرة لدرجة إنها كادت تنطق من مكانها. أهل العريس اتفزعوا وقاموا من على الأكل مفزوعين، وخطيب البنت وقف مذهول مش عارف يعمل إيه، بينما بنتها “سماح” صرخت بأعلى صوتها:
— “الحقيني يا ماما.. مالك يا حبيبتي في إيه؟!”
شريف جري عليها وهو منخوف ومرعوب، ووطى مستنيها تنطق:
— “يا ماما.. مالك؟ حاسبة بإيه؟!”
قدرية مكنتش قادرة تنطق، بس رفعت صباعها المرتجف وشاورت بikl إيدها ناحيتي أنا.. ناحية المطبخ.. ونظرات عيونها كانت مليانة رعب واستيعاب متأخر لكل حاجة. كأنها أخيرًا فهمت معنى جملتها اللي قالتها من دقايق لما ماتت أمي وقالتلي “الحي أبقى من الميت”.
أنا وقفت في مكاني، ماسكة صينية فاضية في إيدي، وملامح وجهي كانت باردة وجامدة كقطعة ثلج. لا عيطت، لا صرخت، ولا جريت أساعدها زي أي زوجة أصيلة. بالعكس.. كنت باصة لها بابتسامة خفيفة وساخرة، ابتسامة دخلت قلبها زي سكين بارد وخلتها تحس باللي حسيت بيه بالحرف لما منعتني أودع أمي وهي بتلفظ أنفاسها الأخيرة.
شريف بص لوشي وشاف البرود اللي فيه، فجه ناحيتي بجنون وهو بيمسكني من دراعي وبيزعق بصوت مهزوز:
— “إنتي عملتي إيه؟! أنطقي.. حطيتي لها إيه في الأكل؟! أمي بتموت يا رانيا!”
بصيت لعينيه من غير ما أهتز ولا شعرة، وشديت دراعي بقسوة من إيده، ورديت بصوت هادي وبارد قطع سكون الصدمة في الشقة:
— “ماتخافش يا شريف.. أمك بتشرب من نفس الكاس اللي سقتني منه.. دي مجرد ‘شوربة بنار القلب’، زي ما قلتلها بالظبط. الحي أبقى من الميت يا شريف، مش ده كلامكم؟!”
قدرية وقعت على الكرسي ومنه على الأرض وهي بتتنفض وبتطلع في الروح، وصراخ سماح وأهل العريس ملا المكان، والشقة اتحولت لمأتم مرعب في نص عزومة الخطوبة. شريف بص لي بجنون وكأنه بيشوف شيطان لأول مرة، ومد إيده عشان يضربني بالبلم، بس إيدي كانت أسرع.. رفعت علبة الدواء الفاضية قدام عينه ورميتها في وشّه، ووقفت عند باب الشقة المفتوح بعد ما مفتاح الباب كان لسه مرمي جنبه، وقولت بصوت جمد الدم في عروقه:
— “المفتاح في إيدك يا شريف.. لو راجل اقفل الباب عليا تاني!”
جريت على برا ونزلت على السلم بسرعة طلقة، وسيبتهم جوه في وسط الكابوس اللي صنعوه بايديهم، عشان أطلع أجري ألحق أدفن أمي.. وأنا عارفة إن اللعبة لسه أولها يبدأ، وأن الحكاية دي مش هتخلص غير لما الكل يدفع الثمن غالي قوي.


