بقلم زهره الربيع 5

أول ما خالي فتح الباب وشاف منظرنا.. شهق من الصدمة: “أمينة؟! وأحمد؟! إيه اللي جابكم في وقت زي ده ومنظركم عامل كدة ليه؟ هو فيه مصيبة في العزبة؟”.
أمي مقدرتش تنطق، وقعت في الصالة من التعب والهم. خالي قفل الباب بسرعة ودخلنا الأوضة الجوانية. قعدت على السرير وطلعت الصندوق الخشب من تحت جلابيتي وحطيته قدامه.
خالي مصطفى أول ما شاف الصندوق، وعينه جت على السلسلة الذهب والأختام اللي عليه، وشه اتقلب ألوان، وقرب منه وهو بيدعك عينيه مش مصدق: “ده.. ده صندوق الست الكبيرة “فضة”؟ الصندوق ده بقاله عشرين سنة مقطوع أثره من بعد ما ماتت! أبوك عبد العزيز وجدك رضوان قلبوا عليه الدنيا وملاقهوش.. جبتوه منين؟”.
قولتله وأنا بنهج: “عمي يونس وعمي يوسف هما اللي طلعوه من تحت شجرة الجميزة يا خال.. وعمي يوسف قالي إن الصندوق ده فيه نص الحقيقة اللي هتقلب البلد.. افتحه يا خال وشوف فيه إيه، إحنا هربانين من الموت”.
خالي مصطفى جاب مفك حديد قديم من دكانه الصغير اللي في البيت، وبدأ بالراحة يفك السلسلة الذهب والأختام الشمعية القديمة وهو يديه بترتعش. الغطا الخشب بتاع الصندوق أطلق تزييق حاد وانفتح..
جوه الصندوق مكنش فيه دهب كتير زي ما كنا فاكرين.. كان فيه حتت ذهب صغيرة قديمة (غازيات)، وبندقية ميت مية (طبنجة) قديمة مصدية، وتحتهم.. لفة ورق بردي قديم جداً، ومعاها عقد بيع مكتوب بدم جاف!
خالي مصطفى سحب العقد بالراحة وقعد يقرأ السطور المكتوبة بخط يد قديم، وعينيه كانت بتوسع مع كل كلمة، لحد ما الورقة وقعت من إيده وبص لأمي وبصلي وهو مذهول تماماً:
“يا نهار مش فايت.. يا خراب البيوت.. يونس ويوسف مكنوش بيدوروا على أرض الوقف يا أمينة.. الورق ده بيثبت إن عزبة الجميزة كلها.. بالبيوت اللي فيها، بالغيطان، بدكان جدهم، ببيت عيلة الشناوي نفسه.. مش ملكهم ولا ملك عرب الجبل! الأرض دي ملك ناس من أشراف مصر القديمة، والجد الكبير رضوان كان مجرد ناظر عليها، وقتل الأوصياء الحقيقيين من ميت سنة ودفنهم تحت شجرة الجميزة.. والنسخة الأصلية من العقد ده.. مكتوب فيها إن اللي هيكشف السِر ويسلم الورق ده للحكومة.. هياخد تلت الأرض مكافأة.. والتلتين الباقيين هيروحوا لملجأ الأيتام في مصر!”.
وفي اللحظة دي، وأحنا لسه بنستوعب الصدمة اللي هتهد عيلة الشناوي وتشردهم كلهم، سمعنا صوت خبط عنيف برة على باب البيت.. خبط بالبناجق وصوت غليظ وجش بينده من الشارع: “يا مصطفى يا مطبعجي! خرج أختك وابن عبد العزيز بالصندوق اللي معاهم.. بدل ما نقلب طنطا دي برك دم فوق راسكم!”.


