بقلم زهره الربيع 1

السنة اللي عمي اتجنن فيها، جدي ربطه بسلسلة حديد وقفل عليه في الزريبة جنب البهايم.مكنش فيه حد بيحن عليه غيري،وفي مره سرقت له “قرصة” فلاحي وادتهاله اكلها واستنيت لما الكل نام، وأخدت قالب طوب وكسرت القفل وعمي خرج يجري حافي . واللي حصل بعدها ميخطرش على بال بشر !!!!!!
السنة اللي تميت فيها 12 سنه، كانت “عزبة الجميزة” غرقانة في مطر مبيخلصش. عمي الصغير، “يونس”، كان مربوط هناك. بسلسلة حديد تقيلة كابسة على رجله، والطرف التاني ملفوف حوالين جذع شجرة الجميزة اللي جنب الزريبة، ومقفول بقفل قد كفة الإيد.
الجد رضوان: قالها كلمة واحدة وقطع: “الواد ده عيان”. وطالما عيان، يبقى ميعتبش عتبة البيت، مش ناقصين مصايب.
ابويا عبد العزيز: كان كلامه ألعن وأقسى، مكنش معترف أصلاً إن عمي عيان، في نظره “يونس” كان بيستهبل.
كل يوم، أي حد يعدي من قدام البوابة يبص على الزريبة؛ اللي يسد مناخيره، واللي يضحك بسخرية، واللي يتف على الأرض ويقول: “هو مجنون عيلة الشناوي ده لسه مماتش؟”
عمي يونس كان بيسمع الكلام ده كله كلمة كلمة، بس عمره ما رد. كان بيقعد كاشش في نفسه تحت شجرة الجميزة، شعره منكوش وهدومه مقطعة ومتبهدلة طين. ساعات يرفع راسه ويبص للسما بالساعات، وساعات تانية يفضل باصص لرجله المربوطة. ومكنش بيرفع عينه ويبص لحد إلا لما يسمع صوتي وأنا بندهه. عينيه كانت سودة وواسعة، ومكنش فيها أي حاجة تخوف زي ما الناس كانت بتقول.
أول مرة سرقت له لقمة، كانت لما ستي جبرتني أروح أرمي العلف للبهائم. لقيت في المطبخ نص قرصة ناشفة فضلات، خبيتها تحت هدومي وجريت بسرعة على الزريبة. الريحة هناك كانت تقرف وتجيب الغثيان، حطيت اللقمة جنب رجله وقلت بصوت واطي: “كل يا عمي يونس”.
فضل ثابت مكانه مبيتحركش، افتكرته مسمعنيش. ولسه بلف ضهري عشان أجري، لقيت إيد خفت اللقمة بسرعة؛ إيد ناشفة وضوافرها مليانة طين. قسم القرصة نصين، حط نص في بقه، ومد إيده بالنص التاني ليا.
هزيت راسي وقلتله لأ، قالي بصوت مبحوح: “كل يا أحمد”.
دي كانت أول مرة أسمعه بيتكلم. وقفت مذهول، وعيني دمعت: “أنا مش جعان يا عمي”.
بصلي كتير.. وابتسم. ابتسامة خفيفة وسريعة قوي، كأنه خايف حد يشوفه وهو بيضحك. من اليوم ده، بقيت أروح له كل يوم مستخبي؛ مرة نص قرصة، مرة حتة بطاطا مشوية، ومرة شوية شوربة كانت أمي “أمينة” بتهربهم لي من ورا أبويا. أمي كانت غلبانة وبتخاف من خيالها، كانت بتقف ورا باب المطبخ تترقب الطريق، وقبل ما أمشي تقولي: “يا أحمد، إوعى أبوك يحس بحاجة”.

