بقلم زهره الربيع 5

أمي سحبتني من إيدي وجرينا على المطبخ، وبأعجوبة عدينا من فتحة المنور الضيقة وسط الضلمة والركام، لحد ما وصلنا لبيت الست دميانة. أول ما شافت طيننا ودموعنا، فتحت لنا باب بيتها بسرعة ودموعها نزلت من الخوف، وأخدتنا في أوضة الغسيل الجوانية وقفت ورا الباب وهي بتدعي.
من الشباك الصغير بتاع أوضة الغسيل، كنا سامعين كل حاجة بتحصل في بيت خالي..
صوت زعيق العرب وتكسيرهم للمطبعة والفرش، وبعدين صوت ضربة نار قوية من فوق السطوح.. خالي مصطفى ضرب عيار! وراه علطول رد عنيف ومطر من الرصاص: “طاخ.. طاخ.. طاخ!”.
أمي صرخت وكتمت صوتها في صدري، والدنيا اسودت في عيني.. خالي مصطفى وقع.
سمعنا صوت خطوات تقيلة بتجري في منور البيت وبتكسر باب المطبخ بتاع الست دميانة.. العرب تتبعوا أثر الطين اللي سبناه ورا برجلنا!
الست دميانة وقفت في وشهم وبقت تصرخ: “يا مأمنين.. يا ناس يا هوه.. بيتي هيدخلوه الأغراب!”.
لكن راجل ضخم بلثام أسود زقها رماها في الأرض، ودخل الأوضة اللي إحنا فيها. أول ما عينه جت عليا وأنا كابس على الصندوق الخشب الفاضي في صدري، عينيه لمعت بالشر والانتصار..
قرب مني وسحب الخنجر من حزامه وقال بصوت فحيح الأفاعي: “سلم الصندوق يا ولد الشناوي.. الأرض رجعت لأصحابها خلاص، وعمامك يونس ويوسف بقوا جثث مرمية في طين المحطة القديمة.. مفيش حد فاضل يحميك!”.
مد إيده الغليظة عشان يخطف الصندوق ويغرس الخنجر في صدري.. وأنا غمضت عيني واستسلمت للموت وأنا كابس على القفل المكسور اللي في جيبي..
وفجأة.. وقبل ما سِنة الخنجر تلمس جلابيتي.. الأرض اتهزت تحت رجلين الراجل.. وصوت “تكة” حديد رنانة وقوية جداً دوت جوة الأوضة! الراجل ثبت في مكانه وعينيه برقت برعب.. لما حس بماسورة بندقية ميري طويلة وباردة بتتحط بالظبط ورا رقبته.. وصوت هادي ورايق، صوت مستحيل أغلط فيه، قال بابتسامة تقطع النفس:
“مين قلك إن يونس ويوسف ماتوا يا ولد؟ إحنا اللي كنا راكبين القطر في عربية البضاعة اللي قدامك.. وإحنا اللي سحبنا ناسك وراك لحد هنا عشان البندر كله يشهد على نهايتكم!”.
لفيت راسي ومش مصدق عيني.. عمي يونس واقف بكامل قوامة، وجنبه عمي يوسف ومعاهم قوة من رجال مباحث البندر والبوليس السري محاوطين الأوضة والبيت كله!
لكن الفرحة مكملتش ثانية واحدة.. لأن الراجل اللثام وهو بيموت من الرعب، ضغط على زرار صغير كان مخبيه في حزامه.. وفجأة سمعنا صوت “تكتكة” سريعة ومرعبة جاية من الشوال اللي كان شايله على ضهره.. صوت قنبلة موقوتة بتعد ثوانيها الأخيرة وسط الأوضة المقفولة!

