بقلم زهره الربيع 5

تابعو صفحه رومانى مكرم
التكتكة المرعبة كانت بتسرق الأنفاس من الأوضة، والوقت بقى يمر كأنه سكاكين بتعد الثواني الأخيرة. راجل العرب وباصص لعمي يونس بضحكة غل مغلوبة: “مادام الأرض راحت.. يبقى الشناوية وعرب الجبل هيدفنوا في حفرة واحدة النهار ده!”.
البوليس السري تراجع بخوف لورا، وأمي صرخت وشبكت إيدها في كتفي، وخالي مصطفى ظهر عند باب الأوضة وهو بيعرج ودمه سايل من كتفه بس عايش.. كله ثبت وكله عجز في لحظة الرعب دي.. إلا عمي يونس.
عمي يونس اللي عاش تلات سنين تحت شجرة الجميزة يتعلم الصبر من السلاسل، محركش شبر واحد برة مكانه. وبنفس الهدوء والبرود اللي حير العزبة كلها، مد إيده في جيبه وطلع القفل الحديد القديم الكبير اللي أنا كسرته بقالب الطوب.. القفل اللي كان حاميه ومخبيه ورا حيطة الجنون.
وبحركة سريعة ومحترفة زي جراح بيشيل الغرغرينا، هجم عمي يونس على الشوال، وشق الخيش بماسورة البندقية، وظهرت القنبلة الحديدية القديمة اللي كانت مربوطة بأسلاك وميكانزم ساعة يد. وبدل ما يحاول يفك الأسلاك، عمي يونس حشر القفل الحديد المكسور بكل قوته في تروس الساعة الموقوتة وضغط عليه بكتلة إيده الناشفة اللي شبعت طين..
التروس اتعوجت، والحديد عض في الحديد، وصوت التكتكة وقف فجأة عند الثانية الأخيرة!
النفس رجع للأوضة، وعساكر البندر هجموا في ثانية على الراجل اللثام وكتفوه وسحلوه لبرة مع باقي رجالة العرب اللي كانوا في الشارع متكلبشين، بعد ما عمي يوسف والبوليس عملوا عليهم كمين محكم من أول ما دخلوا طنطا.
عمي يوسف دخل الأوضة، وشه كان مليان عرق وطين، بس عينيه كانت بتلمع بالنصر. قرب من خالي مصطفى وطمنه، وبعدين التفت ليا ومسك كيس القماش اللي مربوط حول وسطي وفيه العقد القديم والورق المكتوب بالدم.
أخد الورق، وبص لعمي يونس وقال بصوت هادي وجميل: “النهار ده يا يونس.. العقد ده هيوصل ليد وكيل النيابة في مصر الكبيرة.. والصبح لما الشمس تطلع، الأرض هترجع لأصحابها الحقيقيين.. للغلابة والملاجئ، والشناوية هيتغسل اسمهم من الدم والظلم اللي عاشوا فيه من ميت سنة”.
عمي يونس قرب مني، وطى على ركبه لحد ما بقى في مستوى عيني، ومسح دموعي بطرف جلابيته البيضا اللي اتلوثت بطين المعركة، وأخد القفل الحديد اللي وقف القنبلة وحطه في إيدي الصغيره وقفل صوابعي عليه تاني وقال: “عارف يا أحمد.. جدي وأبوك افتكروا إن القوة في السلسلة والقفل اللي ربطوني بيهم.. وافتكروا إنهم لما يظلموا وياكلوا حق الناس، بيعملوا عِز لعيلتهم.. بس هما حبسوا نفسهم في سجن الغل والشر لحد ما السجن اتهد فوق رأسهم والنهار ده اتقبض عليهم وهيقضوا بقية عمرهم ورا الشمس”.

