بقلم زهره الربيع 4

اتحركنا بسرعة جنونية في وسط عواد القصب اللي كانت بتخبط في وشوشنا وتجرحنا، بس مكنّاش حاسين بالوجع. مشينا من ناحية الساقية المهجورة زي ما إبراهيم قال، والدنيا كانت هس هس، وصوت ضرب النار عند البيت الكبير بدأ يبعد ويختفي وراه صوت المطر الخفيف.

وصلنا لآمر المحطة القديمة.. رصيف طين مهدود ومفيش فيه لمبة واحدة قايدة. وقفنا مستخبيين ورا غرف التذاكر القديمة المهجورة. أمي كانت بتقعد على الأرض وتصلي في سرها، وأنا حاطط إيدي على الصندوق الخشب اللي السلسلة الذهب اللي حواليه كانت بتعمل رنين خفيف مع دقات قلبي.

وفجأة.. سمعنا من بعيد صوت صفارة قطر الصحافة.. صوت قوي شق سكون الليل والضباب.. ونور الفانوس الأمامي للقطر بدأ يظهر من بعيد زي عين غول بينور القضبان الحديدية المغطاة بالمية.

عمي يونس التفت لأمي وقال لها: “أول ما القطر يهدّي، هتركبي إنتي وأحمد في آخر عربية.. عربية البضاعة.. الراجل اللي هناك تبعنا وهيفتح لكم الباب.. ومن طنطا على مصر علطول لبيت خالك”.

بصيت لعمي يونس ودموعي نزلت: “وإنت يا عمي؟ هشوفك تاني؟”.

عمي يونس ابتسم وطلع من جيبه القفل الحديد القديم المكسور، وحطه في إيدي التانية وقفل صوابعي عليه وقال: “القفل ده هيفضل معاك يا أحمد.. عشان تفتكر دايماً إن مفيش سجن بيفضل مقفول للأبد طول ما فيه إيد نظيفة بتدور على الحق.. أنا ويوسف رايحين نخلص الحساب في البندر.. والصبح لما الشمس تطلع.. عزبة الجميزة هتعرف مين هما الشناوية الحقيقيين”.

القطر بدأ يهدّي وصوت الفرامل الحديدية عمل صريخ عالي في المحطة.. الباب الخشبي للعربية الأخيرة انفتح وظهر منه راجل لوّح لنا بيده..

عمي يوسف زقنا بسرعة وأمي طلعت الأول وأنا وراها، والراجل سحبني لجوه العربية الضلمة اللي كانت مليانة شوايل خيش وريحة قش ونشارة خشب.

لفيت ضهري وبصيت من الباب الموارب قبل ما يقفل.. شفت عمي يونس وعمي يوسف واقفين على الرصيف في الضباب، جلابية يونس البيضا كانت بتلمع في نور كشاف القطر..

لكن قبل ما الباب يقفل تماماً والقطر يتحرك بالسرعة الكاملة.. شفت من بعيد.. على أول الرصيف الطيني.. تلات رجالة لثامهم أسود وراكبين خيل.. وبنادقهم موجهة بالظبط على ضهر عمي يونس وعمي يوسف! وصوت صرخة عالية هزت المحطة.. بس الصرخة دي مكنتش من عمي.. دي كانت صرخة…

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *