بقلم زهره الربيع 4

الراجل اللي فوق صرخ بخوف: “إيه ده؟! مين هناك؟! اخرج يا ولد!”.
صوت خطواتهم جريت بسرعة برة الزريبة باتجاه الصوت اللي عمله عمي يونس، وبدأ ضرب نار عشوائي برة في الحوش: “طاخ.. طاخ.. طاخ!”. الطلقات كانت بتخرم سقف الزريبة والبهائم هاجت وبقت تكسر في الخشب وتصدر أصوات مرعبة غطت على صوتنا.
عمي يوسف استغل الهرجلة دي، وسحبني أنا وأمي من إيدينا مشينا في الضلمة ورا عمي يونس اللي كان بيقودنا في ممر تحت الأرض مكنش باين له آخر. الممر كان واطي جداً، كنا بنمشي وإحنا موطيين وراوسنا بتخبط في الجذور النازلة من شجرة الجميزة العتيقة. الجذور كانت نازلة زي الثعابين، ناشفة وقوية، وعمي يونس كان بيزيحها بيده ويسلك لنا الطريق.
بعد مشي حاسينه مبيخلصش وسط العتمة والتراب، لقينا الهوا بدأ يتغير.. ريحة التراب الناشف بدأت تختفي ويحل محلها ريحة مطر نظيفة ونسمة هوا باردة جاية من فوق.
عمي يونس وقف، ورفع يده لفوق وزق بلاطة كبيرة مغطاة بالحلفا والبوص، وطلع راسه بالراحة يبص على الطريق. التفت لينا وقال بهمس: “الحمد لله.. السرداب خرجنا في وسط غيط القصب اللي ورا شجرة الجميزة.. بعيد عن البيت بميت متر.. العرب كلهم محاصرين البيت الكبير ومحدش واخد باله من الغيط”.
طلعنا واحد ورا التاني، المطر كان لسه بينزل بس خف عن الأول، والدنيا كانت نص ليل والضباب مالي المكان. غيط القصب كان طويل ومغطينا تماماً. أمي كانت بتنهج وجسمها متلج، وأنا كابس على الصندوق الخشب تحت جلابيتي كأنه حتة من قلبي.
عمي يوسف وقف وبص لاتجاه البيت الكبير.. النور كان قايد فيه، وصوت ضرب النار شغال، والكلاب بتهوهو. بص لعمي يونس وقال له وعينيه بتلمع بشرارة غريبة: “العرب هيقلبوا البيت مش هيلاقوا الورق ولا الدهب.. وهيفتكروا إن المأمور خده مع عبد العزيز ورضوان في البوكس.. وهيطلعوا ورا المركز في البندر عشان يخلصوا عليهم هناك وياخدوا حاجتهم!”.
عمي يونس مسك يوسف من جلابيته وقال له بحدة: “وإحنا مش هنستنى لما يرجعوا يا يوسف.. الورق اللي في الصندوق ده لازم يوصل للمحكمة الكبيرة في مصر (القاهرة) قبل الصبح. لو العرب أو رجالة جدي اللي فاضلين في البلد حسوا بينا، مش هنشوف الشمس تاني”.
يوسف التفت ليا، وحط إيده على الصندوق اللي تحت هدومي وقال: “أحمد.. إنت وأمك هتركبوا قطر الصحافة اللي بيعدي من على المحطة القديمة كمان ساعة.. القطر ده مبيوقفش غير دقيقة واحدة.. هتاخدوا الصندوق وتطلعوا على بيت خالك في طنطا.. ومحدش يعرف مكانكم لحد ما نخلص المعركة دي هنا”.