بقلم زهره الربيع 4

أمي بكت وقالت: “وإنتوا يا يوسف؟ هتروحوا فين وتسيبونا في الضلمة دي لوحدنا؟”.
عمي يونس ابتسم وعينيه السودة وسعت في الضلمة، وبص للقفل الحديد اللي كان لسه في جيبه ومخرجه في إيده، وقال بنبرة خلت جسمي يقشعر: “أنا قعدت تلات سنين مربوط بقفل وسلسلة يا أمينة.. والنهار ده أنا اللي هقفل اللعبة دي كلها.. أنا ويوسف رايحين المركز ورا أبويا وجدي.. مش عشان ننجيهم.. عشان نضمن إنهم ميتكلموش، وعشان نوقع العرب في الفخ اللي الحكومة حطاه!”.
ولسه بنتحرك عشان نمشي في وسط غيط القصب باتجاه المحطة القديمة، سمعنا صوت حركة خروشة قريبة جداً بين عواد القصب.. صوت خطوات حد ماشي على قش ناشف وبيقرب مننا.. وفجأة ظهر من وسط الضباب كشاف نور قوي ضرب في وشنا وعمى عنينا.. وصوت طفولي مألوف نده عليا وقال: “أحمد؟! إنت بتعمل إيه هنا ومعاك الصندوق ده؟!”.
الصدمة إن اللي واقف قدامنا مكنش من عرب الجبل.. ولا من الغفر.. ده كان…تابعو صفحه رومانى مكرم
الكشاف ضرب في وشنا وعمى عنينا، وأنا قلبي سقط في رجلي والصندوق الخشب تقل في صدري كأنه جبل. لما النور اتحرك شوية وضهرت الملامح، الصدمة لجمتنا كلنا.. اللي كان واقف قدامنا ولابس جلابية مخططة وماسك الكشاف في إيده مكنش غريب، ده كان “إبراهيم” ولد عمي عبد العزيز، أخويا الكبير من أبويا!
إبراهيم مكنش عايش معانا في البيت الكبير، كان دايماً قاعد مع جدي رضوان في دكانه اللي على أول العزبة، وأبويا كان بيحبه ومفضله عليا في كل حاجة.
وقف إبراهيم وبص لنا والذهول مالي وشه، عينيه اتنقلت بين عمي يونس اللي لابس جلابية بيضا ونظيفة، وعمي يوسف اللي كان بيظن إنه ميت من سنين، وأمي اللي كانت بتترعش وساندة عليا. بص للصندوق اللي باين طرفه من تحت جلابيتي وقال بصوت متلجلج ومذهول: “عمي يونس؟ وعمي يوسف؟! إنتوا عايشين هنا؟ وأنت يا أحمد.. إيه اللي مخبيه في صدرك ده؟ البيت برة مقلوب وعرب الجبل هادين البوابة وأبويا وجدي اتقبض عليهم.. إنتوا هربانين بالصندوق ده؟”.
عمي يوسف مفيش ثانية تفكير، خطى خطوة سريعة زي الفهد وعايز يهجم على إبراهيم يكتفه أو ياخد منه الكشاف، لكن عمي يونس مسك دراعه بقوة ومنعه، وبص لإبراهيم بنظرة كلها حنان وهدوء، وقال بصوته الرايق الواعي: “تعال يا إبراهيم.. اقترب يا بني ومتخافش.. إحنا أعمامك لحمك ودمك.. مفيش حد غريب هنا”.
