بقلم زهره الربيع 4

إبراهيم رجع خطوة لورا وخوفه زاد، ورفع الكشاف في وش عمي يونس: “أعمامي مين؟ إنتوا هربانين، وأبويا قال لي إن يونس مجنون وعقلة طار، ويوسف مات في سجن البندر! إنتوا مخبين إيه؟ الصندوق ده فيه ورث جدي؟ أنا هنده على عرب الجبل يلحقونا!”.

أمي صرخت بهمس: “الحقنا يا رب.. الواد هيفضحنا”.

أنا خرجت من ورا عمي، ووقفت في وش إبراهيم والدموع في عيني، وقولتله بقوة أول مرة أحس بيها: “إبراهيم.. أبوك وجدك هما اللي حبسوا عمك يونس في الزريبة وسط البهائم وهو واعي ومفهوش حاجة! هما اللي ظلموا العيلة كلها وزوروا الورق.. الصندوق ده فيه حق الغلابة وورث أمهم الغريبة اللي ماتت بالسِم.. لو ندهت على العرب، مش هياخدوا الصندوق بس، دول هيدبحونا كلنا في وسط غيط القصب ومحدش هيسمع لنا صوت! العرب مش جايين ينصروا أبوك، العرب جايين ياخدوا الأرض بوضع اليد!”.

كلامي نزل على إبراهيم زي المية الساقعة. الكشاف في إيده بدأ يتهز، وبص للأرض وبقى يتنفس بسرعة. صراع كبير كان باين في عينيه بين الولاء لأبوه وجده اللي ربوه على الجبروت، وبين الحقيقة البشعة اللي شايفها قدام عينيه؛ عمينه اللي واحد منهم رجع من الموت والتاني رجع له عقله.

عمي يونس قرب منه بالراحة، وحط إيده الكبيرة على كتف إبراهيم، وقال بنبرة تقطع الحجر: “يا بني.. أبوك عبد العزيز وجدك رضوان مشيوا في طريق آخره حبل المشنقة أو السجن المؤبد.. متمشيش وراهم في نفس الطين.. سيب أحمد وأمه يخرجوا بالصندوق ده بالحق، وخليك إنت الراجل اللي هيحمي ضهرنا في العزبة.. إنت الشناوي اللي هيفضل راسه مرفوعة وسط الخلق لما الحقيقة تبان”.

إبراهيم بص لعمي يونس، والدموع لمعت في عينيه، نزل الكشاف للأرض وفجأة قفله.. الضلمة رجعت تاني بس المرة دي كانت ضلمة أمان. قال بصوت مخنوق: “القطر القديم ميعاده فاضل عليه أقل من نص ساعة.. العرب بدأوا يتوزعوا في الغيطان حوالين البيت لما مالقوش حد جوة.. لو مشيتوا من طريق المصرف الرئيسي هيشوفوكم.. امشوا من ورا الساقية المهجورة، الطريق هناك ضلمة ومحدش بيعتبها”.

التفت ليا وبص في عيني وقال: “جري يا أحمد.. خد أمك واجري.. ومترجعش العزبة دي تاني واصل”.

عمي يوسف طبطب على ظهر إبراهيم بقوة، وقال ليونس: “يلا بينا يا أخويا.. الوقت بيسرقنا”.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *