بقلم زهره الربيع 4

الأنفاس انقطعت تمامًا جوة السرداب. أمي كتمت صرختها بيدها وهي بتترعش وجسمها كله بيتحرك زي الورقة في مهب الريح، وأنا لزقت في ضهر عمي يونس وبقيت أسمع دقات قلبي عالية لدرجة إني خفت الراجل اللي واقف فوق برأس البندقية يسمعها.
نور اللمبة الجاز الصغيرة كان بيتهز ويرعش على وشوشنا، وعمي يوسف ممدد إيده بالصندوق الخشب الصغير اللي فيه السلسلة الذهب، وعينيه مثبتة على الدفتين الخشب اللي فوق راسنا. الخشب القديم كان بينزل منه فرافيت تراب وطين ناشف مع كل دبة رجل للراجل اللي برة.
صوت الخشخشة زاد، والراجل اللي برة نده بأعلى صوته: “يا مبروك! تعال جاي يا ولد.. هات الكشاف والشومة واقترب، المزود هنا تحته خشب مواري وطين لسه طري، الظاهر فئران الشناوية مستخبية في جحر تحت الأرض!”.
عمي يونس بلمحة سريعة طفى اللمبة الجاز. الضلمة كبست علينا زي الكفن، وبقينا مش شايفين صوابع إيدينا. في العتمة دي، حسيت بإيد عمي يوسف الناشفة بتمسك إيدي الصغيرة وبتحط فيها السلسلة الذهب والصندوق الخشب، وهمس في ودني بنبرة حادة وزي الفسفور: “احضنه في صدرك يا أحمد.. احضنه بجسمك كله، الصندوق ده لو طلع لفوق، رقبتي ورقبة عمك يونس هتعلق في المشنقة، والبلد دي مش هتقوم لها قومة. ده حق الغلابة وورث أمنا اللي ضاع”.
فوقينا بالظبط، سمعنا صوت ضربة قوية بكعب البندقية على الدفتين الخشب. الخشب أطلق أنين مكتوم والمسامير المصدية بدأت تفوت من مكانها. التراب نزل في عيني وبقيت أكتم كحتني بالعافية ودموعي نازلة تحرق وشي.
الراجل اللي اسمه مبروك رد من برة وصوته كان قريب جداً: “يا بوي! دول شكلهم نزلوا هنا الصدق.. اضرب عيار في خشب الأرضية يخلص عليهم لو كانوا جوة!”.
عمي يونس في اللحظة دي اتسحب في الضلمة زي الديب، وعرف يتحرك في السرداب الضيق كأنه حافظ كل شبر فيه من سنين ربطته. حسيت بحركته وهو بيقرب من نهاية السرداب الناحية التانية. وفجأة، وبدون أي مقدمات، سمعنا صوت “تكة” حديد غريبة، تليها خبطة رنانة هزت السرداب كله، بس المرة دي مكنتش فوق راسنا.. دي كانت ورا الراجلين اللي واقفين في الزريبة!
عمي يونس كان مطلع ماسورة حديد قديمة من خرم تاني للسرد بيفتح ورا المعلف، وضرب بيها حلة حديد كبيرة مخصصة لأكل البهائم عشان يعمل شوشرة.

