بقلم روماني مكرم 1

**الجزء الثاني**
وقع التليفون على الطاولة الخشبية في نص الصالة بصوت مكتوم، بس صداه كان زي انفجار قنبلة في المكان. الشاشة كانت نورة بالدليل الحي؛ الرسائل، التواريخ، الفويسات، والكلام اللي يقطع اللحم ويغضب ربنا والعبد.
أبو عبير، الراجل العجوز اللي كان داخل بيتباهى بشرفه وبنته الأرملة “الحزينة”، مد إيده ببطء وهو بيرتعش ورفع التليفون. عينيه كانت بتتحرك على السطور، ومع كل سطر يقرأه، كان وشها بيتحول من اللون الأسمر للون الرماد، وشفايفه بتهتز بغير تصديق. إخواتها الاثنين اتلموا حواليه، وبدأت ملامحهم تتبدل من الصدمة للذهول، وبعدها للغضب العارم اللي ولى نار في الصالة.
عصام كان واقف عند باب الشقة، رجله مش شايلاه، الضحكة أو النبرة العالية اللي دخل بيها اتبخرت في ثانية. بصلنا وبص للتليفون، وعينيه جت في عين أبويا.. فشاف فيهم الموت. جرب يرجع لورا خطوات، بس أخو عبير الكبير “حسين” لمح الحركة دي، وفي لحظة كان قافر عليه زي الأسد الجريح، مسكه من زقمه ورفعه لفوق وهو بيصرخ فيه بصوت شق السقف:
– “يا واطي! يا خاين الأمانة! صاحبك وأخوك لسه عضه ما طريش في تربته، جاي تتفق مع مراته من ورا أختك اللي صايناك؟!”
عصام بدأ يتلعثم، ريقه جف، وشفايفه بقت بيضا زي اللبن:
– “يا جماعة افهموا.. والله الكلام دا… دا شات مفبرك! سمر عايزه تعملي مشكلة وتبوظ بيتي! أنا ما عملتش حاجة!”
هنا، عبير اللي كانت واقفة ورا أبوها ولابسة الطرحة السودة ومثلة العفة والمسكنة، لقيت إن الحبل بيتلف حوالين رقبتها. بدل ما تتكسر أو تعتذر، الغل والشر اللي في قلبها طفح على وشها. اتغيرت ملامحها في ثانية من الضحية للثعبان اللي بيبخ سمه. زقت إيد أخوها بعيد عن عصام ووقفت في نص الصالة، وصوتها طلع حاد وناشف يقطع العصب:
– “أيوه! الكلام صح ومفيش حاجة مفبركة! ومحدش ليه عندي حاجة! أنا ست أرملة وحرة، والعدة فاضل لها شهر وتنتهي، والشرع ما حرمش الجواز بعد العدة!”
الصالة كلها سكتت سكتة موت. أبويا بص لها بذهول، وأبوها هو كمان بصلها وهو مش مصدق إن دي بنته. كملت عبير بكل بجاحة وعينيها متثبتة عليّ أنا:
– “أنا عملت كده عشان أعرفك يا سمر إن الله حق! فاكرة لما جيتلك أطلب منك قرشين أفك بيهم زنقتي وقعدتي تترسمي عليّ وتقوليلي ‘جوزي يزعل’؟ أديني أهو باخد منك ‘جوزك’ نفسه! عشان تعرفي إن اللي تقف في وش عبير، تاخد حسرتها في قلبها وعينها تتكسر العمر كله!”

