زهره الربيع 1

النظرات كلها اتجمعت عليا.. المحامي، أمي، أعمامي، وولاد أعمامي اللي كانوا كاتمين ضحكة الشماتة بالعافية.

بصيت لنور…

نور كانت واقفة زي الصنم، الدموع نازلة من عيونها بصمت يقطع القلب، إيدها بتمسح على راسم فريدة بنتنا اللي كانت ماسكة في ذيل فستانها ومطبقة عليه بضوافرها الصغيرة، مش فاهمة حاجة من اللي بيحصل، بس خايفة من نظرات الناس ومن نظرة أمها المكسورة.

نور رفعت عيونها ليا.. النظرة دي ما كانش فيها ترجي، ولا كان فيها عتاب.. كان فيها إحباط وتوقّع بالهزيمة. كأنها بتقولي بصلاتها: “أنا عارفة إنك هتختار الفلوس.. الفقر هد حيلك، وأنا مش هقدر ألومك.”

اللحظة دي كانت حاسمة.. الـ 20 مليون جنيه جابوا قصادي كل صور الخمس سنين اللي فاتوا:

حسبة الجنيه بالجنيه…

العيش والجبنة…

إيجار الشقة اللي كنا بنتأخر فيه فالمالك يهددنا بره البيت…

العلاج اللي ما كنتش قادر أشتري لفريدة لما تتعب…

والإهانة اللي شفتها في عيون أهلي طول الفترة دي.

الفلوس دي كانت بوابتي للكرامة، للراحة، للأمان… بس التمن إيه؟ التمن إني أبيع الإيد الوحيدة اللي اتمدت لي لما الكل اتخلى عني! التمن إني أكسر الست اللي شالت معايا الهم ورضيت بالظروف اللي أهلي نفسهم ما رضوش بيها!

بلعت ريقي بصعوبة، وحسيت بريقي ناشف زي الحطب. قربت خطوات من المحامي..

عمي ابتسم ابتسامة النصر، وأمي تنهدت براحة، ونور غمضت عيونها ونزلت رأسها للأرض مستنية الضربة.

وقفت قدام المحامي، وبصيت للورقة اللي في إيده.. وبعدين تلفّت وبصيت لكل أفراد العيلة، واحد واحد. الشماتة في عيونهم كانت هي الشرارة اللي ولعت في قلبي.

رفعت رأسي، وبصيت للمحامي وقلت بصوت عالي، ثابت، هز جدران الصالة:

“اكتب عندك يا حضرة المحامي…”

الجميع حبس أنفاسه.. عمي طلع إيده من جيبه والمحامي جهز القلم على الورقة.

كملت بعيون مليانة غضب وكرامة:

“اكتب إن أحمد… نازل عن كل جنيه في الوصية دي! اكتب إن الـ 20 مليون جنيه تحت رجلي ورجل مراتي وبنتي!”

الصدمة نزلت على المكان زي الصاعقة! الابتسامة الصفرا اتجمعت واتلاشت من وش عمي في ثانية، أمي صرخت: “انت اتجننت يا أحمد! انت بتعمل إيه؟!”

ما ديتش فرصة لحد يتكلم.. كملت وبصيت لأعمامي بصوت زلزل البيت:

“جد الله يرحمه افتكر إن فلوسه تقدر تشتري كل حاجة.. وافتكر إن الحاجة الوحيدة اللي تكسرني هي الفقر.. بس هو نسى إن الأصول مش بالفلوس! أنا مش هبيع الست اللي صانتني في فقري، عشان شوية وررق أنتم هتاكلوه بعد ما أمشي! الفلوس دي حلال عليكم… اشبعوا بيها، واقسموها على بعضكم.. بس افتكروا كويس، إنكم كلكم بكل ملايينكم، ما تسواش ظفر نور ولا جزمتها!”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *