زهره الربيع 1

​سكت المحامي.

​والدقيقة دي كانت أطول دقيقة مرت في تاريخ حياتي كلها.

​السعادة اللي كانت في قلبي من ثواني، ااتمسحت واستُبدلت بذهول ومرارة ما تتوصفش. بصيت لنور.. لقيت إيدها اللي كانت ماسكة إيدي سابتني بالبطء. وشها اتقلب أبيض زي الملاية، والدموع اتجمعت في عيونها وهي بتبصلي بنظرة انكسار .. نظرة بتموت.

​الـ 20 مليون جنيه بقوا واقفين بيني وبين مراتي وبنتي ،

ازاي اخسرهم

بس، بس دول . 20 مليون جنيه يعني شقق، وعربيات، ومستقبل متأمن لفريدة، وراحة من الفقر اللي كسر ضهري خمس سنين..

​بصيت حواليا.. نظرات الحقد اللي كانت في عيون أعمامي وعيالهم، ااتحولت في ثواني لنظرات “شماتة” قاتلة. كانوا بيستمتعوا باللحظة. شايفهم سكتوا، ومستنيين، والابتسامة الخبيثة مرسومة على وشوشهم.. كأنهم بيقولوا لي: “ورينـا يا ابن الأصول.. هتبيع مراتك عشان الفلوس، ولا هتفضل شحات وتخسر الـ 20 مليون؟”

​عمي الكبير قرب مني خطوة، وبصلي بابتسامة صفرا وقال بصوت واطي بس كل الصالة سمعته: “ها يا أحمد؟ الفلوس كتير يا ابن أخويا.. والستات كتير وموجودين في كل حتة.. ياترى هتصون بنتك وامها ، ولا هنباركلك على الملايين.”

​نور بصت للأرض، ونزلت دموعها في صمت قاسي

وانا ساكت مش عارف اعمل ايه !!

​المحامي رفع القلم وقال بصوت هادي: “ها يا أحمد يا ابني.. قرارك إيه؟ أثبت الطلاق في المحضر وتستلم الفلوس، ولا…”

المحامي كرر كلمته وهو رافع القلم، والنقطة الهبرية اللي نازلة منه على الورق كانت بتنزل على قلبي زي قطرات مية نار: “أثبت الطلاق… ولا نلغي البند ونرجع الثروة للتركة تُقسم حسب الشرع؟”

الصمت في الصالة اتكسر بصوت نفسي اللي بقى سريع ومتلاحق. عيون أعمامي كانت بترمقني بتركيز مرعب، كأنهم دياب مستنية اللحظة اللي هقع فيها عشان ينهشوا فيا. عمي الكبير حط إيده في جيبه، وبصلي بنفس الابتسامة الصفرا وقالي بجلدة: “الموقف مش محتاج تفكير يا أحمد.. العقل يقول إنك تفكر في مستقبل بنتك.. الستات بتروح وتيجي، بس العشرين مليون مش هيجوا تاني.. ولا إنت عاجبك شقا الخمس سنين والفقر اللي كنت عايش فيه؟”

أمي قربت مني، ومسكت دراعي بقوة، وبصتلي بعيون مليانة قسوة ورغبة في الانتقام القديم: “اسمع كلام عمك يا أحمد! ارمي الحرباية دي برة حياتك وخد فلوس جدك.. بقى تموت نفسك عشان واحدة ما تسواش وتضيع نعمة ربنا من إيدك؟ طلقها وخلصنا!”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *