بقلم روماني مكرم، 4

قرب مني قبل ما أخرج من القاعة، وصوته بيترعش من القهر:
ـ “خلاص كده يا أم فلان؟ بقينا أغراب؟”
رديت عليه وأنا حاطة وشي في عينيه بكل قوة وثبات:
ـ “إحنا بقينا أغراب من يوم ما رفعت إيدك عليا يا محمود.. اليوم دا أنت بعت، والنهاردة أنا استلمت ثمن البيعة!”
خرجت من المحكمة وأنا ماسكة إيد أبوي وأخويا، وراسي مرفوعة للسماء. رجعت شقتي، واستلمت طلبية كبيرة لمشروعي، وبدأت أجهزها وأنا بسمع صوت عيالي بيلعبوا حوليّ بكرامة وأمان.
الحكاية كانت قربت توصل لمحطتها الأخيرة.. خطوة واحدة فاضلة عشان يتقفل الفصل دا بالكامل وتفتتح الحياة الجديدة على نظافة!
**الجزء التاسع والأخير**
مرت سنة كاملة على يوم الطلاق.. سنة كانت كفيلة بأن تبدل أحوالي من حال إلى حال، وتثبت لي إن الرب لما بياخد حاجة بالظلم، بيبدلها بالأحسن والأعز.
مشروعي الصغير بتاع الأكل البيتي كبر بفضل الله وتوفيقه؛ ما بقتش مجرد ست بتطبخ في شقتها، فتحت محل صغير للمخبوزات والوجبات الجاهزة في الشارع الرئيسي بالمنطقة، واستعنت بتلات ستات معايا يساعدوني وبقى ليهم باب رزق من ورايا. بقيت أصحى كل يوم الفجر وأنا حاسة بقمة الفخر والحرية، ما حدش بيكسر عيني ولا يؤمرني ولا يقلل من كرامتي، وعيالي كبروا ودخلوا أفضل مدارس، وعايشين في عز وكرامة وأمان.
في المقابل، الديرة دارت على العيلة إياها وجابتهم الأرض.
سليمان—جوز سلفتي—ما استحملش النكد والمشاكل اللي ما بتخلصش بين أمه ومراته، وقرر يرجع الكويت وياخد مراته معاه عشان يخلص من قرف العيلة ووجع الراس، وسابوا أمه قاعدة في الشقة لوحدها، لا حيل ليها ولا قوة، مالهاش حد يخدمها ولا يعملها لقمة أكل، بعد ما طردت البنت الأصيلة اللي كانت شايلتة ثمان سنين من غير كلمة.
أما محمود، فذاق المر ألوان. النفقة والمؤخر ومصاريف المحاكم أكلوا شقاه، وبقى عايش مع أمه الخرفانة المريضة، يرجع من شغله طاحن نفسه عشان يطبخلها وينضف تحت رجلها ويغسل هدومها، يذوق بنفسه التعب والإهانة اللي كان يفرضه عليا وعايزني أعمله لسلفتي!
في يوم من الأيام، كنت نازلة من العمارة رايحة شغلي، متأنقة ومرفوعة الرأس، ومعايا عيالي لابسين أنضف لبس ورايحين تمارينهم. اتفاجأت بمحمود نازل على السلم، شكله كبر عشر سنين، ظهره منحني، وشحه شاحب، وهدومه مش متظضباطة.
