المليونير حكايات علي ابو الدهب 2

 

مرّت الشهور الأولى بعد وفاة الحاج رأفت السيوفي كأنها إعصار هدم كل القواعد القديمة في القصر. مريم، التي كانت بالأمس تنظف الرخام الأبيض بيديها، أصبحت اليوم تجلس خلف المكتب الضخم المصنوع من خشب الأبنوس في المقر الرئيسي للشركة بوسط الإسكندرية. المكتب الذي كان يرتعد أمامه أقوى رجال الأعمال، بات الآن يشهد ولادة عهد جديد.

لم يكن الطريق مفروشاً بالورد؛ فالتحدي الأكبر لم يكن في إدارة الملايين، بل في مواجهة النفوس التي غلا فيها الحقد.

### المواجهة الأولى في مجلس الإدارة

في صباح يوم شتوي عاصف، دعت مريم إلى أول اجتماع طارئ لمجلس الإدارة بصفتها رئيسة المجموعة. دخل رامز القاعة وهو يبتسم بسخرية، يرتدي بدلته الإيطالية الفاخرة، يتبعه سامح الذي لم يتوقف عن النظر في ساعة يده كأنه يثبت للجميع أن وقته أثمن من أن يقضيه في اجتماع تقوده “شغالة الأمس”. أما وفاء، فجلست في طرف الطاولة وهي تنظر لمريم بنظرات تقطر سماً.

بدأ رامز الحديث بنبرة تهكمية، واضعاً ملفاً سميكاً أمام مريم:

— أهلاً يا بشمهندسة مريم.. أقصد يا ست مريم. ده تقرير الربع السنوي لشركة المقاولات. عندنا مناقصة بـ 200 مليون جنيه لإنشاء مجمع سكني في العلمين الجديدة. الورق ده محتاج إمضاء فوري، وطبعاً إنتِ مش محتاجة تقريه.. لأن مصطلحات الهندسة والجدوى الاقتصادية أكبر بكتير من وعيك. أمضي هنا وخلينا نشوف شغلنا.

ساد الصمت في القاعة، ونظر بعض أعضاء مجلس الإدارة القدامى إلى الأرض ترقباً لرد فعل الفتاة. لكن مريم لم تهتز. فتحت الملف بهدوء، وقلبت الصفحات ببطء وثبات، ثم أغلقت الملف فجأة بقوة أحدثت صوتاً جعل رامز يعتدل في جلسته.

نظرت مريم في عيني رامز مباشرة وقالت بنبرة حازمة:

— المناقصة دي مرفوضة يا أستاذ رامز.

انتفض رامز من مكانه:

— مرفوضة؟! إنتِ عارفة بتتكلمي عن إيه؟ دي شركة السيوفي!

— عارفة كويس.. وعارفة كمان إن شركة الباطن اللي حضرتِك منقّيها عشان تورد مواد البناء هي شركة وهمية مسجلة باسم ابن عم مرتك. وعارفة إن أسعار الحديد المكتوبة هنا أزيد من سعر السوق بـ 15%. جدي الله يرحمه ساب لي إدارة الشركات دي عشان أحميها، مش عشان أسيبكم تهبشوا من ورا ضهري. من هنا ورايح، أي مناقصة هتدخل فرز علني، واللي مش عاجبه.. أسهمه موجودة والبورصة مفتوحة.

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *