حكاية عز وغزل ج6
بقلم انجي الخطيب

فضل عز ماشي جنب غزل في صمت.
ولا واحد فيهم نطق بكلمة.
كان الطريق للسرايا قصير…
لكن كل خطوة كانت بتزود الحمل اللي فوق كتافهم.
أول ما وصلوا عند البوابة الكبيرة…
وقف عز فجأة.
رفع عينه…
فاتجمد مكانه.
العمدة رجب كان واقف في نص الدوار، مستند على عصايته، وملامحه جامدة كالحجر.
حوله الغفر والخدم، وكلهم واقفين ساكتين، ولا حد فيهم قادر يرفع عينه في وشه.
أول ما وقعت عينه على غزل، ضيق عينيه، وبعدين بص لعز.
وقال بصوت جهوري هز السرايا كلها:
“يعني عملت اللي في دماغك برضك.”
ما ردش عز.
العمدة نزل بعصايته على الأرض بعنف.
“بكلمك يا عز.”
رفع عز راسه وقال بثبات:
“البِت كانت مختفية يا بوي.”
“وأنا قولتلك رجالة الدوار يدوروا.”
“وأنا واحد منهم.”
ضحك العمدة بسخرية.
“لأ… الليلة دي ما كنتش واحد منهم.”
وسكت لحظة، قبل ما يكمل بنبرة كلها لوم:
“الليلة دي كنت عريس.”
اتقدم عز خطوة.
“ولو كنت قعدت، وجرالها حاجة، كنت هسامح نفسي كيف؟”
العمدة بصله نظرة طويلة، لكن ما ردش.
لف وشه ناحية غزل.
كانت واقفة ورا عز، مطأطية راسها، وإيديها بتترعش.
قال بصوت صارم:
“ارفعي راسك.”
رفعتها بالعافية.
“مين اللي أذنلك تخرجي من السرايا؟”
بلعت ريقها وقالت بصوت واطي:
“محدش يا حضرة العمدة .”
“يعني خرجتي من غير إذني؟”
سكتت.
“جاوبي.”
نزلت دموعها وهي تهمس:
“أيوه.”
هز العمدة راسه بضيق.
“من يوم ما دخلتي الدار، وأنا باعتبرك واحدة من أهل البيت، لكن لكل دار نظام… واللي يخرج من السرايا من غير إذني يبقى كسر النظام.”
ردت بسرعة وهي بتمسح دموعها:
“حقك عليّ يا بيه… والله ما كنت أقصد أغلط.”
“أمال قصدك إيه؟”
اتلجلجت في الكلام.
“كنت… كنت مخنوقة.”
العمدة قاطعها بحزم:
“مهما كان اللي جواكي… مكانكي ما كانش بره الدار في نص الليل.”
عز اتدخل بهدوء:
“كفاية يا بوي… البت اتعلمت الدرس.”
العمدة لف له بسرعة.
“وأنت محدش طلب رأيك.”
سكت عز.
قال العمدة وهو بيبص في عينه:
“النهارده أول ليلة بعد جوازك… وسيبت مراتك لوحدها، ونزلت تجري في البلد كلها عشان خدامة.”
رد عز من غير تردد:
“نزلت عشان واحدة كانت في خطر.”
“خطرها يخص رجالة الدوار.”
“وأنا راجل من الدوار.”
العمدة قرب منه لحد ما بقى بينهم خطوة واحدة.
“لا… دلوجتي إنت راجل مسؤول عن بيت فتحته من ساعة.”
ساد الصمت.
وبعدين قال العمدة بنبرة أقل حدة، لكنها كانت حاسمة:
“اسمعني زين يا عز… من الليلة دي، حياتك اتغيرت.”
ثبت عز عينه في عيون أبوه.
“عارف.”
“يبقى اعرف واجبك.”
وسكت لحظة، ثم قال وهو بيشاور ناحية السلم:
“اطلع لعروستك… كفاياك إكده.”
فضل عز واقف مكانه.
بص لغزل.
كانت واقفة منزلة راسهارفي الارض، بتحاول تمنع دموعها تنزل قدامهم.
قال العمدة من غير ما يحول عينه عن ابنه:
“والبت دي…”
لف ناحية غزل.
“ادخلي أوضتك، ومن بكرة ما أشوفكيش خارجة من السرايا إلا بإذن مني. مفهوم؟”
هزت راسها بسرعة.
“حاضر يا بيه.”
لفت تمشي.
لكن قبل ما تبعد، خطفت نظرة صغيرة ناحية عز.
نظرة مليانة ألف كلمة… و وجع… واعتذار…
وحب مستحيل.
أما عز…
ففضل واقف يبص في أثرها لحد ما اختفت جوه الممر.
ثم أخد نفسًا طويلًا، وطلع السلم بخطوات تقيلة.
كان رايح ناحية جناحه…
لكن قلبه، للمرة الألف، اتساب واقف في مكان غزل.
#انجي_الخطيب
فتح عز باب الجناح ببطء، وكان قلبة مقبوض وكأنه داخل سجن.
لقى ياسمين قاعدة على الكرسي اللي قدام التسريحة، لسة فكة شعرها الأسود الطويل على كتفها، وحاطة إيدها على خدها اللي كان لسة معلّم من القلم. أول ما سمع صوت الباب، رفعت راسها وبصتله في المراية. مكنش في عيونها دموع، كان فيه بريق من التحدي والشرود اللي يوحي إن الحرب لسة مخلصتش.
قفل عز الباب وراه بهدوء، وفضل واقف مكانه، عيونه متبتة على الأرض كأنه بيحاول يجمع بقايا أعصابه.
لفت ياسمين بكرسيها ليه ، وقالت بصوت هادئ ومستفز، بيقطعه السكوت:
“أهلاً بحضرة الضابط.. العريس اللي ساب عروسته في ليلة دخلتها، ورايح يدور على خدامة في نص الليل، وبعدين يرجع يقف قدام أبوه زي الولد الصغير؟!”
رفع عز عينه ليها، وكانت نظراته حادة لدرجة تخلي الحجر ينطق، وتقدم خطوتين بطيئين وقال بصوت جاف وواطي:
“كلمة كمان يا ياسمين، وهخلي الليلة دي تنتهي بجد بالطريقة اللي كنت قايل عليها من شوية.”
ضحكت ياسمين ضحكة قصيرة مليانة سخرية، وقامت وقفت وهي بتعدل فستانها الأبيض، وقالت:
“تطلقني؟ هتعملها؟ جرّب كده.. واطلع قول لأبوك والمأمور إنك طلقت بنته بعد ساعة من كتب الكتاب عشان جريت ورا بت شغالة! يومها البلد كلها هتاكل وشك، وسمعة عيلة العزايزة اللي أبوك ماشي يتباها بيها هتتفرم في التراب.”
قرب منها عز لحد ما بقت بينه وبين الحائط مسافة خطوات معدودة، وبص في عيونها مباشرة وقال ببرود مرعب:
“أنتِ فاكرة إن الكراسي والألقاب بتهمني؟ أو إن كلام البلد ممكن يكسر لي كلمة؟ اسمعي مني زين يا بنت المأمور.. أنا اتجوزتك عشان أرضي أبوي، وعشان أقفل باب كلام طويل.. لكن لو فكرتي تدخلي بيني وبين أي حاجة تخصني، أو تعلي صوتك تاني، والله العظيم ما هيهمني لا أبوكِي ولا البلد باللي فيها، وهدفنك في السرايا دي وأنتِي حية.”
بلعت ياسمين ريقها بصعوبة لأول مرة، ولمحت في عيون عز نظرة جنون حقيقية مكنتش متوقعة تشوفها. رجعت خطوة لورا بصمت، ومقدرتش تنطق بحرف زيادة.
سابها عز ولف ضهره، وراح ناحية الشباك الكبير المفتوح على زراعات الذرة المظلمة في الخارج. مد إيده وفك أزرار قميصه، وطلع نفس طويل كأنه بيحاول يدخل الهوا لصدره المحروق.
غمض عيونه لحظة، فظهرت قدامه صورة غزل وهي قاعدة لوحدها بتترعش في البرد، فشد على كفه بقوة لحد ما عروقه برزت ، وعز في نفسه: الصبر.. بكرة يحلها الحلال.
……..
تاني يوم الصبح، كانت الشمس طالعة بلونها الذهبي الحامي، والزغاريد بصوتها العالي المخصوص ملأت جنبات السرايا كلها. الست “نفيسة”، أم عز، دخلت الجناح بفرحة كبيرة وهي معاها الخدامة شايلة صينية الفطار الكبيرة المليانة أصناف الصعيد الدسمة، ومعاها اتنين من الخدمات بيزغردوا بصوت ملي السرايا كلها.
الحاجة نفيس امرت الخدامة انها تحطتة الصينية على الطرابيزة االي قدام السرير بتاع العرايس ، وبصت لياسمين اللي كانت قاعدة على السرير بملامح هادية وابتسامة خفيفة، وبعدين لفت لـ عز اللي كان واقف عند الشباك مديّهم ضهره وبيشرب سيجارة بملامح جامدة متجهمة.
قربت نفيسة من ابنها، بابتسامة واسعة، وقالت بصوت مالي الكل:
“صباح الفل يا عريس! ألف مبروك يا ضل عيني.. طمني يا ولدي.. هاه.. فين شرفها اللي خدته إمبارح؟ رفعت راسنا ورأس عيلة العزايزة وسط البلد كلتها؟”
ساد الصمت في الجناح فجأة.. وكأن السقف وقع على الكل.
عز ماردش.. فضل باصص برة الشباك، والسيجارة بين صوابعه بتطلع دخان بطيء.
استغربت نفيسة السكوت، وبصت لياسمين اللي نزلت عيونها بابتسامة خبيثة ومستفزة. رجعت نفيسة بصت لعز، وقلبها انقبض، وقالت بنبرة اهتزت فيها الفرحة:
“عز! ما ترد عليا يا ابني.. مالك واقف ساكت اكده ليه؟ هو إيه اللي حوصل؟”
لف عز ببطء، وعيونه كانت جامدة وباردة زي الصخر، وبص لأمه وقال بصوت هادئ ومستفز لأعصاب الكل:
“ما دخلتش عليها يا أمي.”
اتفتحت عيون نفيسة على آخرها، وكأنها متصورة إنها سامعة غلط. صرخت بصدمة وهي ماسكة صدرها:
“مـا دخلتش عليها؟! يعني إيه ما دخلتش عليها يا عز؟! إنت اتجننت ولا جرى لعقلك ايه في ليلة دخلتك؟! عروستك قاعدة قدامك أهي.. إزاااي؟!”
تقدمت ياسمين بخطوات هادية، وقالت بصوت ناعم بس مليان سم، وهي بتبص لعز بتحدي:
“اسألي حضرة الظابط ابنك يا حاجة .. اسأليه ليه سابني في ليلة دخلتي ونزل يجري في الشوارع عشان يدور على خدامة، ولما رجع.. كان همّه الوحيد إنه يقلل مني ويكسرني، كأنه متجوزني غصب عنه!”
التفتت نفيسة لعز، وعيونها مليانة غضب وعتاب شديد، وقالت بصوت طالع منخفض من الصدمة:
“للدرجة دي يا عز؟! تفضل البت الشغالة على بنت المأمور وعلينا كلنا في ليلة زي دي؟! دي عار يا عز.. عار هتطلعه البلد كلها علينا!”
بص عز لأمه بيأس مكبوت، وبعدين وجه نظره الحاد لياسمين اللي كانت بتبتسم بغرور، وقال بصوت أصدم الكل:
“العار الحقيقي.. هو إنكم فاكرين إن الجواز غصب وبنتوه علي حسابتكم انتوا .. بس اسمعوها مني أنتوا الاتنين، وكلامي مش هعيده تاني: ياسمين في عصمتي َدخلتي عليها هتمها مش عشانوارضيكي با امي لا عشان اربيها واعرفها اني راجل ، لكن قسمي أني مقربش منها تاني بعد دخلتي عليها دا ملكي انا واللي هيغصبني علي حاجة تاني قسما بربي ، الهدنة اللي بيني وبين الكل هتخلص، ووقتها ماليش كبير!”
#انجي_الخطيب
رفعت الحاجة نفيسة إيديها الاثنين ولطمت على خدها من صدمة الكلام، وصرخت بصوت جاب آخر السرايا:
“يا نهار أسود ومطلعتلوش شمس ! نهارك مش فايت يا عز! بتعاند أبوك وبتعاند البلد كلها عشان اية؟! أنت اتجننت في مخك بجد ولا عيون حسدتك يا ولدي ؟!”
ياسمين وقفت من على السرير، وجسمها كله بيترعش من قمة الغيظ والقهر، وعيونها بتطلع شرار. بصت لعز وقالت بصوت مخنوق من كتر الغضب:
“يعني إيه هتدخل عليا عشان تربيني وبس؟! أنا بنت المأمور يا عز، مش جارية جيبتها من الشارع! وبكره أبويا لو عرف بالمهزلة دي، البلد دي هتقوم ومش هتقعد، وهتندم على الساعة اللي فكرت فيها تتحداني!”
ولا كأنه سمع صوتها أصلاً. عز طفى السيجارة في الطفاية ببطء وثبات أعصاب ، ورفض حتى إنه يبص لها. وبعدين نقل عيونه لأمه اللي كانت بتترعش من الغضب، وقال بصوت حاسم وقطع أي نقاش تاني:
“كلامي اتقال وخلصتة وانتهى يا أمي.. جهزي نفسك لليلة، وبعدها مش عايز أسمع صوت حد بينطق بحرف في الموضوع دا واصل.”
سابهم واتحرك بخطوات واسعة وقوية، وفتح الباب وطلع برة الجناح وقفل الباب وراه بقوة هزت حوائط السرايا، وسبهم في حالة صدمة وجنون لا توصف.
في الممر الطويل، كان سالم واقف مستنيه ووشه ميطمنش. أول ما شاف عز طالع، جري عليه بخطوات سريعة وقال بصوت مخضوض:
“الحق يا عز .. العمدة عرف باللي حوصل فوق، والدنيا قايمة تحت ومش قعدة، مرتك اتصلت علي ابوها فاروق المأمور وهو كلم العمدة وقالة انه جي في الطريق على هنه ومعاه ، وشكله كده جاي ناوي على شر كبير!”
وقف عز، وظهرت على شفايفه ابتسامة باردة وتحدي أعمى، وقال بصوت هادئ:
“خليه ييجي.. كنت مستنيه .”
#انجي_الخطيب
يتببببع
