شقه ابني ج 3
بقلم روماني مكرم

صرخ سامح من جوة القفص بصوت جنوني يملأه الغل والخوف:
* “كذب! كذب! ده مش أخويا! ده اللي سرق مني اسم أبوي وفلوسه وعزه! هو وأمه عاشوا في النعيم وأنا عشت في الفقر والشارع! هو كان الدكتور المحترم وأنا الصايع السرسجي! كان لازم ياخد جزاة كل سنة عشتها في الظلم!”
اعترَف! بلسانه وقسوة قلبه اعترف قدام الكل وهو بيبكي بدموع الغل والندم المتأخر!
القاعة اتفجرت بالصراخ والصدمة من بشاعة المنظر، والناس كانت بتبص له بقرف واشمئزاز. أنا قمت وقفت من مكاني، مشيت بخطوات ثابتة لحد ما وقفت قدام القفص مباشرة، بصيت في عينيه الحمرا اللي طالع منها الشر، وقولتله بصوت حاد وواثق هز كيانه:
* “أبوك ما ظلمكش يا سامح.. أبوك مات وهو ما يعرفش إن أمتك أصلًا خبت حملها منك ورفضت ترجعله لما طلقها! أبوك ساب رزقه للولد اللي رباه على الخُلق والتقوى.. طارق ما أخدش حقك، طارق كان هيشيلك في عينيه لو جيت له بالحب وقلتله أنت أخويا.. بس أنت اخترت تكون ‘قابيل’.. والنهاردة هتحصد اللي زرعته إيديك الوسخة!”
ضرب القاضي بالمطرقة بقوة متكررة، وسكت الجميع تماماً..
وقف رئيس المحكمة، ونظر إلى سامح بنظرة كراهية وازدراء، ثم قرأ قرار العدالة الأخير:
> **”حكمت المحكمة إجماعاً، وبعد ورود رأي فضيلة مفتي الديار المصرية، بإعدام المتهم ‘سامح’ شنقاً حتى الموت، قصاصاً عادلاً لجريمته النكراء في حق النفس التي حرم الله إلا بالحق، وتجريده من كافة حقوقه المدنية.. رفعت الجلسة!”**
>
اتفجرت القاعة بالتهليل والدعاء.. “يحيا العدل! يحيا العدل!”
أمناء الشرطة كلبشوا سامح اللي انهار تماماً على أرضية القفص، بيصرخ ويبكي زي الأطفال وهما بيسحبوه لغرفة الإعدام عشان ينفذوا فيه حكم السماء والحي القيوم.
خرجت من المحكمة وأنا حاسة إن الجبل اللي كان جاسم على صدري انزاح، بس حزني على طارق هيفضل عايش جوايا لحد ما أروحله.
أما السر اللي نهى كانت عايزة تقوله عن “الطفل”.. حسام كشفه بعدها بأسبوعين لما نزلنا الصعيد وفتشنا في أوراق العائلة.. اتضح إن طارق الله يرحمه، كان كافل طفل يتيم في إحدى الجمعيات الخيرية وبيصرف عليه من حسابه في السر بدون ما حد يعرف، وكان كاتب جزء من أرباح عيادته باسم الطفل ده عشان يؤمن مستقبله.. دي كانت أخلاق طارق اللي سامح ونهى ما قدروش يفهموها ولا يوصلولها.


