حكايات زهره الربيع 2

مسكت إيد مصطفى بقوة وأنا بهز رأسي ودموعي على خدي: “لو خرجت لها دلوقت وسألتها، هتتحرج وتتحسر يا مصطفى.. الست اللي تمشي وتخبي علبة ملح في أخر الدرج وتعيط وهي بتاكل، مش بتعمل كده رخامة ولا نكد.. طنط موجوعة من حاجة إحنا مش فاهمينها.”

مصطفى قعد على طرف السرير، حاطط وشه بين إيديه ورجليه بترتع من الصدمة: “طب ليه يا ولاء؟! ليه تدمر صحتها بكتلة الملح دي؟ وليه تشتكي لك وتخليكي تشكي في نفسك وفي نظافتك وفي شطارتك؟ ده أنا كنت خلاص هعديها على دكتور مخ وأعصاب أفتكرت عندها خرف ولا حاسة التذوق باظت!”

قلت له بصوت واطي ومحروق: “تعالى نرجع التسجيل شوية لورا.. من قبل ما تفتح علبة الملح. بص على عينيها كويس.”

شغلنا التسجيل تاني، وركزنا في الثواني اللي سبقت الحركة دي..

طنط قعدت على السفرة، فتحت علبة الأكل العادم، أخدت المعلقة الأولى.. طعم الأكل كان خالي تماماً من الملح، بس هي ما كانتش بتبص للطبق. كانت بتبص على باب الشقة.. وبعدين بصت للساعة اللي معلقة على الحيطة، كانت 1:40 الظهر. السكوت في الشقة كان مرعب، صوت التكتكة بتاعة عقرب الثواني طالع في التسجيل من كتر الهدوء.

طنط حطت المعلقة من إيدها بالراحة، ومسحت حافة الترابيزة بإيدها كأنها بتدور على أي حاجة تشغلها. الشقة واسعة، مصر الجديدة والتجمع، حيطان نضيفة وديكورات هادية.. بس فاضية. فاضية تماماً.

فجأة، طنط قالت بصوت واطي جداً يادوب الكاميرا لقطته:

*”الله يسامحك يا كمال.. سيبتني لوحدي بدري أوي.”*

عم كمال الله يرحمه.. جوزها اللي متوفي من خمس سنين.

وبعد الكلمة دي مباشرة، قامت جابت علبة الملح..

أنا ومصطفى بصينا لبعض، والفكرة ضربت في دماغي زي الصاعقة!

بصيت لمصطفى وقلت له: “أنا فهمت يا مصطفى.. فهمت السر.”

مصطفى بصلي باستغراب ولهفة: “فهمتي إيه؟ الملح إيه علاقته بأبويا الله يرحمه؟!”

قلت له وأنا بمسح دموعي: “طنط طول عمرها عايشة في بيت عيلة في السيدة زينب، الدوشة، والزحمة، والناس اللي داخلة وطالعة، وعم كمال الله يرحمه كان أزمه في الملح.. صح؟ انت مش حكيتلي قبل كده إن أباك كان يحب الأكل حادق جداً وأمك كانت تقعد تتخانق معاه كل يوم على السفرة عشان الضغط؟”

مصطفى اتسمر مكانه، عينيه اتوسعت وخطف أنفاسه: “صح.. صح يا ولاء! أهو ده اللي كان بيحصل! أبويا كان يمسك الملاحة ويرش على الأكل بغشم، وأمي تصرخ فيه وتقول له ‘الأكل كده هيبقى مالح يا كمال!’، وهو يضحك ويقول لها ‘المهم ناكله سوا يا أم مصطفى’.. كانت الخناقة اليومية الوحيدة بينهم على السفره!”

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *