بقلم روماني مكرم 1

**الجزء الثاني**
وقفت سكتّ ثواني أتنفس بالعافية، ضربات قلبي كانت بتدب في صدري زي الطبول، وإيدي اللي ماسكة التليفون بتترعش من كتر الغل. الكلمة طلعت مني زي الرصاصة، حسيت بصداها يرن في الشقة كلها. حماتي على الناحية الثانية سكتت من الصدمة، السكوت كان تقيل ومخيف لدرجة إن صمتها كان أشد من صراخها. وبعد ثواني، جاني صوتها مبحوح ومخنوق من كثر الغيظ:
ـ “بتقولي إيه يا بت أنتِ؟! بتسمي بيت أخو جوزك وسلفتك بيت ناس؟! وعيالك مين اللي حجة؟! أنتِ اتجننتي في عقلك ولا نسيتي نفسك أنتِ مين والبيت دا أصحاب فضله عليكِ إزاي؟!”
ما اديتهاش فرصة تكمل باقي الموشح ولا تتطاول أكتر، قفلت الخط في وشها برود لم أعهده في نفسي من ثمان سنين. رميت التليفون على الكنبة، ورحت جري على أوضة عيالي. مسكت ابني الصغير، شيلته في حضني وهو جسمه مولع نار وشفاه بتتعد من السخونية، حطيت خدي على خده وبكيت.. بكيت دموع قهر وثورة متأخرة ثمان سنين. كنت بقول لنفسي: “أنا اللي عملت في نفسي كده.. أنا اللي هانت عليا نفسي لحد ما افتكروني خدامة برتبة ملكية!”
ساعة كاملة مرت وأنا بحاول أهدي العيل وأعمله كمادات خل ومية ساقعة، وعقلي شغال ما بيهداش. عارفة إن اللي عملته دا زلزال في العيلة، وعارفة إن الحساب جاي.. بس المرة دي ما كنتش خايفة، كنت حاسة بإحساس غريب بالحرية، زي السجين اللي كسر باب سجنه بأيده.
وفجأة.. سمعت صوت المحرز في الباب بيتقلب بعنف. الباب اتفتح وهبد في الحيطة بصوت هز الشقة كلها.
خرجت من الأوضة ببطء، ألاقي جوزي “محمود” داخل زي الفتح المظفر، وشه أحمر زي الدم، وعيونه طالع منها شرار، وياقة قميصه متفككة وجايب آخره. واضح إن أمه كلمته وشحنت البارود على آخره قبل ما يوصل.
وقف في نص الصالة، بيمسك نفسه بالعافية، وزعق بصوت هز جدران البيت:
ـ “أنتِ يا هانم! أنتِ يا اللي قلة الأدب طفحت عليكِ! إيه اللي أنتِ هببتيه دا؟! إيه الكلام اللي قولتيه لأمي في التليفون دا؟!”
وقفت قدامه بثبات، حاطة إيدي في وسطي، وبصيت في عينيه بثبات لأول مرة في حياتي:
ـ “أنطق إيه؟ أنت عارف أمك طلبت مني إيه قبل ما تجيلي تجعر كده؟ أمك عاوزاني أسيب ابنك اللي سخن ومولع نار وأروح أنضف شقة سلفتك وأشتريلها خضار وفاكهة من جيبي وأطبخلها! هي سلفتي اشتريتني ولا أنا خدامة أبوهما وأنا مش دارية؟!”

