حكايات زهره الربيع 4

حطت طنط المعلقة بالراحة على طرف الطبق، وبصتلنا إحنا الاثنين بعيون مليانة دموع.. بس المرة دي ما كانتش دموع وحدة ولا حسرة. كانت دموع لقت طريقها لراحة البال.
ابتسمت ابتسامة دافية وقالت بصوت هادي كأنه نغمة حلوة:
“الأكل النهاردة.. فيه طعم الفرحة يا بنتي. سُكر خالص ويسلم إيديكي وإيد مصطفى.”
مصطفى ضحك بصوت عالٍ ومسك إيدها باسها بعنف، وأنا حسيت بروح جديدة خالص بتتنفس جوه البيت. خلاص.. السر اللي كان مدفون ورا علبة الملح في الدرج بقى جزء من الماضي. طنط ما بقتش محتاجة تقول “الأكل مالح” عشان تجذب انتباهنا، لأن انتباهنا وحياتنا بقى معجون بحضورها وجودها معانا.
الأيام مرت، والتجمع اللي كنا شايفينه صحرا وهدوء يقتل النفس، بقى بفضل طنط مليان حيوية.
جيران العمارة بقوا يعدوا علينا بالليل يسلموا على طنط سعاد وياخدوا منها وصفات الطرش والمخلل، وأنا بقيت أرجع من شغلي أونلاين ألاقيها مستنياني بقض\ية الشاي بالنعناع ونقعد نحكي بالساعات عن أيام زمان وناس زمان.
لكن.. زي ما أي عيلة بتعدي بحظوظ وأيام مختلفة، كان فيه اختبار جديد مستنينا، اختبار هيثبت إن اللمة اللي اتعملت دي مكنتش مجرد شو ولا تمثيلية.
في يوم أربع، مصطفى رجع من الشركة بدري عن معاده بكتير. أول ما فتح الباب، وشّه كان أصفر وشكله متوتر جداً. سحبني على أوضة النوم بالراحه عشان طنط ما تحسش بأي حاجة.
قفل الباب وبصلي بقلق: “ولاء.. الشركة اللي شغال فيها بتقفل فرع مصر، وهيتسرح أسبوع من الموظفين، وأنا من ضمنهم.”
اتصدمت وقفت مكاني مش عارفة أقول إيه! المصاريف، وأقساط الشقة، ومصاريف البيت.. كل ده وقف فجأة في ثانية واحدة!
مصطفى حط إيده على وشه وقعد على السرير: “أنا مش عارف أقول لأمي إزاي.. خايف تزعل أو تحس إنها عبء علينا في الظروف دي، وممكن ترجع تنطوي تاني وتفتكر إننا متكدرين منها!”
قلت له بثبات ومسكت إيده: “أهم حاجة طنط ما تحسش إن البيت فيه أزمة تكسرنا. إحنا بقينا عيلة متماسكة بجد يا مصطفى، مش مجرد ناس عايشة تحت سقف واحد.”
خرجنا من الأوضة بنحاول نبتسم ونداري التوتر.. بس الستات الكبار اللي عاشوا وشافوا الدنيا، عينيهم بتشوف اللي ورا القلوب.
طنط سعاد كانت قاعدة بتتفرج على التلفزيون، وبصت لمصطفى أول ما خرج، وقفت بالراحة وجت ناحيته. حطت إيدها الدافية على خده وقالت بمنتهى الهدوء والتلقائية:
