حكايات علي ابو الدهب 2

الكلمات نزلت عليّ كالصاعقة. استوعبت أن تسليم الشنطة يعني دماراً مؤكداً لنا ولغيرنا. لم يعد هناك مجال للاستسلام. تبقى من الوقت أقل من عشر ثوانٍ. فجأة، عمل عقلي بأقصى سرعة ممكنة، غريزة البقاء تغلبت على الخوف.
تذكرت تفصيلة صغيرة في تصميم عمارتنا القديمة. العمارة لها “منور” خلفي كبير متصل بسلم خدمة (سلم الخدامين) غير مستخدم ومظلم تماماً، وينزل مباشرة إلى غرفة مهجورة تفتح على الجراج من الخلف، خلف المكان الذي يقف فيه سيف بالضبط!
قلت لطارق بسرعة جنونية:
> “سيف ميعرفش حاجة عن سلم الخدامين لأنه عمره ما دخل العمارة من ورا. أنا هعمل شنطة شبه دي بالظبط، وهقف في البلكونة ألهيه وأرميها له. في الوقت ده، إنت تنزل من السلم الخلفي، هتطلع في ظهره بالظبط في الجراج!”
>
لم يتردد طارق لحظة. أومأ برأسه موافقاً، بينما جريت أنا نحو غرفتي. سحبت حقيبة سفر سوداء صغيرة الحجم تشبه حقيبة طارق إلى حد كبير. حشوتها بسرعة بكتب جامعية قديمة وملابس ثقيلة، وأغلقتها.
عدت إلى الصالة، كان صوت سيف على الهاتف يصرخ:
> “خمسة… أربعة… تلاتة…”
>
صرخت بأعلى صوتي من المطبخ، ثم ركضت نحو البلكونة المطلة على الشارع:
> “سيف!! استنى! أنا هرميلك الشنطة! أرجوك متعملش فينا حاجة، الشنطة أهي!”
>
وقفت في البلكونة. كان الشارع لا يزال يعج بفوضى الحادثة في أوله، لكن الجراج تحت عمارتنا كان مظلماً ومعزولاً. رأيت سيف يقف تحت عمود الإنارة الخافت أمام الجراج، يمسك بجهاز صغير في يده اليمنى، وينظر إلى الأعلى بابتسامة شيطانية مرعبة. وجهه الذي كنت أراه وسيماً ومألوفاً، بدا لي الآن كوجه مسخ من الجحيم.
صرخ سيف من الأسفل: “ارميها يا غبية! ارميها بسرعة!”
رفعت الشنطة المزيفة بكل قوتي، وقذفتها من الطابق الرابع. سقطت الشنطة في الهواء، وعينا سيف تتابعانها بجشع ولهفة. ارتطمت بالأرض بصوت مكتوم بجانب سيارة مركونة.
في هذه اللحظة، كان طارق قد تسلل بالفعل كالشبح عبر سلم الخدمة المظلم، وتجاوز الباب الخلفي للجراج.
ركض سيف نحو الشنطة المزيفة، نزل على ركبتيه بلهفة، وترك جهاز التفجير على سقف السيارة المجاورة ليبدأ في فتح السحاب.
بمجرد أن فتح الشنطة ورأى الكتب والملابس، اتسعت عيناه بصدمة تحولت فوراً إلى غضب أعمى. أدرك الفخ! صرخ بأعلى صوته: “يا ولاد الـ…!” ومد يده ليلتقط جهاز التفجير لينهي كل شيء.

