حكايات علي ابو الدهب 2

لكن من قلب الظلام الدامس خلفه، ظهر طارق.
اندفع طارق كالنمر الجريح، وانقض على سيف قبل أن تلمس أصابعه زر التفجير. ضربه طارق بقوة على مؤخرة رأسه بظهر مس\دس كان يخفيه في سترته. سقط سيف على الأرض، لكنه كان قوياً ومراوغاً، فاستدار بسرعة وركل طارق في بطنه، محاولاً الزحف نحو الجهاز.
كنت أراقب المشهد من البلكونة، وقلبي يتوقف مع كل حركة. أمي وأبي كانا يقفان خلفي يبتهلان إلى الله بالدعاء.
اشتبك الاثنان في عراك عنيف جداً، دماء، ولكمات، وأصوات تكسير زجاج السيارات حولهما. كان سيف يقاتل بشراسة حيوان محاصر، بينما كان طارق يقاتل بغضب أب يحاول استرداد شرف وحياة ابنته.
أخيراً، تمكن سيف من دفع طارق بعيداً، وقفز نحو السيارة، وأمسك بجهاز التفجير!
صرخ سيف وهو يلهث والدماء تسيل من وجهه، ناظراً إليّ في البلكونة:
> “النهاية يا حلوة!”
>
ضغط سيف على الزر الأحمر بكل قوته!
أغمضت عيني بقوة، واحتضنت أمي وأبي، منتظرة الانفجار الذي سيمزق أجسادنا ويحيل العمارة إلى رماد…
ثانية… ثانيتان… ثلاث ثوانٍ…
لم يحدث شيء! لا صوت، لا نار، لا دمار. مجرد صمت ثقيل يخيم على المكان.
فتحت عيني ببطء، ونظرت إلى الأسفل. كان سيف يقف مصدوماً، يضغط على الزر مراراً وتكراراً بهستيريا وجنون: “ليه؟ ليه مش شغال؟!”
ضحك طارق وهو ينهض بصعوبة ويمسح الدماء من على شفتيه، وقال بصوت متعب ولكنه منتصر:
> “عشان إنت غبي يا سيف! الراجل اللي إنت حرقته في العربية عشان تداري على جرايمك وتاخد الفلوس لوحدك… هو اللي كان بيفهم في المتفجرات وتوصيل الدواير الكهربائية، مش إنت! إنت مجرد نصاب وواجهة كدابة. القنابل اللي حطيتها في العمارة دي متوصلة غلط من الأساس!”
في نفس اللحظة، شق صمت الليل صوت سارينات سيارات الشرطة من كل اتجاه. سيارات أمن مركزي، ومدرعات، وسيارات مباحث أغلقت الشارع من الاتجاهين. أضواء الزرقاء والحمراء أضاءت الجراج كله.
اكتشفت لاحقاً أن طارق، قبل أن يصعد إلى شقتنا، كان قد أرسل إحداثيات المكان وملفاً كاملاً بأدلة إدانة سيف إلى صديق قديم له برتبة لواء في المباحث الجنائية، وأبلغه بخطة الإيقاع به متلبساً.
اقتحمت قوات الشرطة الجراج. حاول سيف المقاومة والهرب، لكنهم طرحوه أرضاً وقيدوا يديه بالحديد. كنت أنظر إليه من الأعلى، هذا الشخص الذي كنت أظنه حب حياتي، “عريسي” الذي كنت أرتب معه أحلامي، يتلوى الآن على الأرض كحشرة حقيرة، مجرداً من كل زيفه وأكاذيبه.


