حكايات علي ابو الدهب 2

الثلاثون ثانية التي حددها “سيف” كانت تمر وكأنها ثلاثون عاماً. الصمت في الشقة كان قاتلاً، لا يقطعه سوى صوت أنفاسي المتلاحقة وصوت دقات قلبي التي كانت تكاد تخترق ضلوعي. نظرت إلى الرجل ذو البدلة السوداء، “طارق”، الذي كان يقف أمامي ممسكاً بالشنطة الجلدية السوداء. لأول مرة منذ أن رأيته، رأيت الخوف يتسرب إلى عينيه الثابتتين، ويداه اللتان كانتا في قمة الثبات بدأتا ترتجفان بشكل ملحوظ.
صوت “سيف” عبر الهاتف كان يتردد في أرجاء المطبخ المظلم، صوتاً مشبعاً بالجنون والنشوة المريضة:
> “عشرين ثانية يا طارق! أنا عارف إنك سامعني. الشنطة تنزلّي حالاً، وإلا أقسم بالله العمارة دي هتكون مقبرة جماعية لخطيبتي السابقة وعيلتها ولكل سُكانها! انت عارف إني مجنون وأعملها!”
>
في تلك اللحظة الحرجة، سمعت صوت حركة في الممر. أضاء نور غرفة النوم، وخرج والدي “الحاج محمود” وهو يفرك عينيه، يرتدي جلبابه المنزلي، وخلفه أمي التي كانت تبدو عليها علامات الفزع من الأصوات المكتومة.
تسمر والدي في مكانه عندما رأى رجلاً غريباً يقف في الصالة المظلمة وفي يده شنطة سوداء، وأنا أقف في المطبخ ووجهي شاحب كالأموات.
قال والدي بصوت متهدج: “إيه اللي بيحصل هنا؟ مين ده يا بنتي؟ وإيه الصوت ده؟”
جريت نحو والدي، وضعت يدي على فمه بخفة ودموعي تنهمر: “أبوس إيدك يا بابا وطي صوتك. حياتنا كلنا في خطر، العمارة متفخخة وسيف خطيبي تحت معاه جهاز تفجير!”
شهقت أمي وكادت أن تسقط على الأرض لولا أن أسندتها. الصدمة ألجمت لسانيهما.
نظرت إلى طارق وصرخت بهمس حاد:
> “إديله الشنطة! إديله اللي هو عايزه خلينا نعيش! أنت عايز تموتنا كلنا عشان شنطة؟”
>
نظر إليّ طارق بعيون محمرة، وفتح سحاب الشنطة بسرعة البرق. لم تكن مليئة بالمال فقط كما تخيلت. كانت تحتوي على رزم من الدولارات، نعم، ولكن الأهم من ذلك كان وجود عشرات الأقراص الصلبة (Hard Drives)، وملفات ورقية، وصور فوتوغرافية، وهواتف محمولة قديمة.
قال طارق بصوت مخنوق وهو يشير إلى محتويات الشنطة:
> “الشنطة دي مش مجرد فلوس! الشنطة دي فيها (داتا) لأكتر من 150 بنت من عائلات محترمة. صور متفبركة، تسجيلات فيديو من كاميرات مخترقة، محادثات، وعقود مزورة. سيف وشبكته بيستخدموا الحاجات دي عشان يبتزوا البنات دي. بنتي واحدة منهم، بنتي حاولت تنتحر مرتين بسبب الصور اللي على الهارد ده! لو الشنطة دي رجعت لسيف، مش بس بنتي اللي هتضيع، مئات البيوت هتتخرب، والبنات دي هتعيش في جحيم لغاية ما تموت. سيف مستحيل يسيبكم عايشين حتى لو أخد الشنطة، هو بس عايز يضمن إن الدليل الوحيد ضده رجعله قبل ما يمسح أثركم من الوجود.”

