بقلم رشا خالد 3

خرج أحمد من مبنى النيابة، ولم ينتظر ثانية واحدة؛ ركب أول سيارة واتجه رأساً إلى المستشفى. كانت الشمس قد بدأت تتوسط السماء، تكسر برودة الجو بدفء خفيف، لكن قلبه كان ما يزال ينبض برعب مكتوم.

عندما وصل إلى الدور الثالث أمام قسم العناية المركزة، وجد الطبيبة المشرفة تقف مع ممرضتين وتراجع بعض الفحوصات والتحاليل الطبية. أسرع أحمد إليها والأنفاس تتسارع في صدره:

— “دكتورة! طمنيني.. سارة عاملة إيه دلوقت؟ والولد؟”

تنفست الطبيبة الصعداء وابتسمت ابتسامة هادئة خففت القليل من ثقل الجبل الجاثم على صدره:

— “الحمد لله يا أستاذ أحمد.. النزيف وقف تماماً، والضغط بدأ يرجع لمعدلاته الطبيعية بعد المحاليل ونقل الدم. والأهم إننا عملنا موجات صوتية (سونار) جديدة ودقات قلب الجنين رجعت تنتظم بشكل أفضل بكثير عن امبارح. إحنا نقلنا سارة من العناية المركزة لغرفة العزل والملاحظة العادية، وتقدر تدخل تشوفها، بس أهم حاجة الهدوء التام والبعد عن أي توتر.”

أحس أحمد بركبتيه تكادان تعجزان عن حمله من شدة الارتياح، ودعا ربه في سِرّه بحمد لا ينقطع.

فتح باب الغرفة ببطء شديد. كانت سارة مستلقية على السرير الأبيض، وجهها لا يزال يعلوه الشحوب لكن الشفتين استردتا بعض الحمرة، وأنابيب المحاليل ما زالت معلقة بحديث في يدها. عندما رأته يدخل، ابتسمت ابتسامة ضعيفة ومسحت دمعة كانت حائرة في طرف عينها.

اقترب أحمد وجلس على الكرسي المجاور للسرير، وأمسك بيدها بكل رفق وقبلها طويلاً:

— “الحمد لله على سلامتك يا سارة.. الحمد لله إن ربنا ردك ليا ولابننا بالسلامة.”

قالت سارة بصوت خافت وخسِر النبرة المرتجفة التي كانت تعلوه في المخزن:

— “أنا كنت حاسة إنك هتوصل يا أحمد.. كنت بسبح وبدعي ربنا في الضلمة والبرد وباقول كيدهم مش هيغلب حقنا.. عملت إيه في النيابة؟”

نظرت عينا أحمد للبعيد لثوانٍ قبل أن يعود ويُثبت نظره في عينيها بثبات:

— “سلمت الهارد ديسك بتاع كاميرات الجار للنيابة.. وأمي وباهر خدوا تجديد حبس 15 يوم على ذمة القضية. النيابة وجهت للباهر تهمة الق/تل العمد مع سبق الإصرار لشركوه، وتهمة الشروع في ق/تلك والمشاركة في الجريمة لأمي.. مفيش خروج ولا تنازل يا سارة، الجريمة كاملة ومثبتة بالدلايل والأوراق.”

صمتت سارة لبرهة، وشردت بذهنها في تفاصيل الأيام الأربعة المرعبة التي قضتها في الكركور بين التراب ورائحة الموت الصامتة، ثم قالت بنبرة حذرة:

1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *