بقلم زهره الربيع 1

الناس بقت تتبادل النظرات، ويهمسوا لبعض: “ده مجنون ده؟ ده شكله واعي وأحسن مننا!”، “هو جاب الهدوم دي منين؟ والشنطة دي فيها إيه؟”.

أبويا كان وشه أصفر وجامد، وجدي رضوان كان بيبص للشنطة الجلد وعينيه بتلمع بخوف حقيقي، خوف أول مرة أشوفه في عين الراجل اللي العزبة كلها بتهابه.

دخلوا عمي على البيت الكبير، وأبويا طرد كل الناس وقفل البوابة في وشهم. أنا اتسحبت ودخلت من باب المطبخ الموارب بمساعدة أمي اللي كانت بتبكي وبتدعي في سرها.

في مربوعة البيت، قعد جدي رضوان على الكنبة، وعمي يونس وقف في النص، ثابت ومبتسم ابتسامة غامضة. أبويا هجم عليه وعايز يشد الشنطة من إيده وهو بيزعق: “جبتها منين دي؟ كنت مخبيها فين يا ابن رضوان؟ بقالك تلات سنين مأكلنا وهم إنك نسيت مكانها؟”.

عمي يونس محركش الشنطة من مكانها، وبص لأبويا بنظرة قوية خلت أبويا يرجع خطوة لورا غصب عنه، وقال بصوت واضح، مكنش فيه أي بحة ولا جنان: “الشنطة دي مخرجتش برة العزبة يا عبد العزيز.. الشنطة دي كانت مدفونة تحت شجرة الجميزة.. في نفس المكان اللي ربطتوني فيه. كنتوا بتربطوني فوق السِر، وانتوا مش داريين”.

جدي رضوان وقف على رجليه، وعصايته اترعشت في إيده: “أنت وعيت تاني يا يونس؟ افتكرت؟”.

عمي يونس ضحك ضحكة عالية، ضحكة وجعت قلبي، وقال: “أنا عمري ما تاه مني عقلي يا جدي.. أنا كنت مستني السيل يغسل الطين عشان أعرف أحفر.. وأحمد ابن أخويا هو اللي نجاني ونور عيني”.

بص لاتجاه المطبخ كأنه عارف إن واقف ورا الباب، وبعدين التفت لجدي وأبويا، وفتح الشنطة الجلد بالراحة، وطلع منها دفتر كبير غلافه أسود ومكتوب عليه بخط اليد، وحزمة ورق رسمية عليها أختام قديمة..

أول ما جدي شاف الورق، وشه اتقلب أزرق وسند على الحيطة كأنه هيقع، وأبويا صرخ: “والله ما هتخرج بالورق ده حتي لو دبحناك هنا!”.

 

الصفحة السابقة 1 2 3 4

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *