بقلم زهره الربيع 1

​كنت بهز راسي وخلاص، مكنتش فاهم وقتها.. واحد جعان وبنديله لقمة، إيه اللي يخوف في كده؟

​​لحد ما جه يوم، أبويا رجع من الغيط بدري وشافني وأنا قاعد جنب الزريبة. وقبل ما أستوعب، لقيت إيده بتشدني من قفايا بعنف، والقرصة وقعت في الطين. وش أبويا كان قالب ومسود من الغضب: “مين اللي قالك تديله طفح؟”.

“عمي جعان يا بويا”.

​مكملتش الكلمة ولقيت قلم نزل على وشي، عيني زغللت وودني صفرت. عمي يونس قام وقف فجأة، وصوت السلاسل الحديد قعد يخرخش ويرن. أبويا مسك الشومة ووجهها ناحيته: “إنت كمان هتحلو؟ عايز تتحرك؟”.

عمي ثبت في مكانه، وإيده اتقفلت وبقت زي الحجرة، وبعدين رخاها بالراحة. أبويا لف وضربني قلم تاني: “احفظ الكلام ده كويس، ده مش عمك، ده مصيبة ونازلة على راسنا”.

​حطيت إيدي على وشي وبكيت، وبصيت للقمة اللي اتمرمغت في الطين. عمي يونس هو كمان فضل باصص لها. بعد ما أبويا مشي، وطي على الأرض وشالها، وبكم جلابيته قعد يمسح الطين عنها حتة حتة.. وأكلها كلها.

​ليلتها، دخلت تحت اللحاف وقعدت أعيط بحرقة. أمي قعدت جنبي وهي بترتعش وبتدهن لي وشي بالمرهم، سألتها بصوت واطي: “هو عمي يونس كان كده من زمان يا أمي؟”.

أمي سكتت كتير، وفي الآخر قالتلي بهمس:

​”يا ابني.. عمك يونس ده كان أشطر واحد في مدارس البلد كلها.. ودخل الجامعة في بندر مصر.”

​اتصدمت.. أمي حطت إيدها على بوقي بسرعة في نفس اللحظة اللي سمعنا فيها صوت خطوات أبويا برة. وش أمي اتقلب أصفر زي الليمونة، طفت لمبة الجاز وقربت من ودني: “السيرة دي متجيش على لسانك تاني أبدًا”.

​وفي اللحظة دي، سمعنا صوت خروشة السلاسل تاني عند الزريبة. خبطة.. وراها خبطة، كأن فيه حد بيخبط على الباب في نص الليل.

​بصيت من خرم الشباك؛ نور القمر كان نازل على شجرة الجميزة، وعمي يونس كان موطي، وبيبحت بأصباعه في الطين وبيكتب كلام. مكنتش عارف هو بيكتب إيه.. بس شفت أبويا واقف الناحية التانية من الزريبة، ماسك عصايه في إيده، وعينيه كلها غل وشر وهو باصص على إيد عمي وهي بتكتب.وقال له بتريقه..

بتكتبها تاني برضه؟

وضحك بشر ومسح اللي اتكتب برجله..

هتفضل هنا لحد ما تموت …والي بتكتبه ده مش هيفدك ولا حد هيقراه اصلا

وضربه بالعصايه جامد

عمي نزلت دموعه وبص على ابويا وهو بيمشي

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *