بقلم روماني مكرم 2

هنا.. الدنيا اسودت في وشي، وبدأت الكارثة…
خرجت كلماتها كأنها صلية رصاص استقرت في صدري، ضحكتها المستفزة وزغرة عينها كانت الكبريت اللي ولع في بنزين الغضب اللي جوايا. بصيت لجوزي اللي كان واقف زيه زي كرسي الخشب، وشه مطفي وعينيه بتنقل بين أمه وأخته وزوجها اللي واقف ببرود يظبط ترينج جوزي عليه.
“شقة ابنك؟!” الصوت خرج مني مش صوتي، خرج حشرجة مكتومة فيها وجع ثلاث سنين غربة، وعرق شقا، وريحة بابا الله يرحمه اللي حسيت إنهم بيسحقوها بجزمهم. “دي شقة ملكي أنا! بفلوس بابا وورثي منه! وعفشي اللي هنا بدم قلبي أنا وشقايا في الغربة! ابنك ملوش طوبة واحدة هنا يا هانم!”
حماتي حطت إيدها في وسطها وقربت خطوة بثقة إبليس: “جرى إيه يا بت أنتِ؟ نُصك نُص ابننا، وحاجتك هي حاجته! وأخته كانت مزنوقة وملقتش سقف يسترها، ولا كنتِ عايزانا نرمي أخت جوزك في الشارع عشان شوية صيني وسجاد؟ وبعدين أنتِ جاية تعملي علينا معلّمة في بيتنا؟”
في اللحظة دي، الزوج العزيز -جوزي- نطق أخيراً، بس للأسف النطق كان خيبة أمل جديدة. قرب مني ومسك دراعي بضعف وقال بصوت واطي: “يهديكِ يرضيكِ يا حسناء.. اهدي بس الناس بتتفرج علينا في السلم، تعالى ننزل تحت نتكلم ونحل الموضوع بالراحة، أختي ملهاش ذنب، أامي اللي…”
قطعت كلامه ونفضت إيده عني بكل قوتي: “أختك ملهاش ذنب وهي لابسة قميص نومي ومفرشة صيني شقايا على سفرتي؟! أختك ملهاش ذنب وزوجها جالس في بيتي بلبسك؟! أنت مش راجل ولا إيه؟ أنت ساكت ليهم ليه؟!”
القلم نزل على وشي مش منه هو، لكن من صدمتي فيه! وقفت أخت جوزي تتبغدد وتبصلي بقرف وقالت: “اتكلمي عدل مع أمي يا حبيبتي! وبعدين الشقة كانت مقفولة والبوم بيعشش فيها، إحنا جينا عمرناها ونضفناها، بدل ما تشكرينا إننا حافظنا لك عليها جاية تعملي شو ونمرة؟”
جوزها أخد نفس من السجارة ورمى الدخان في وش جوزي وقال ببرود يفرس: “يا أبو الكباتن، استهدي بالله وخود جيرتك وانزلوا شقة الحجة تحت ارتاحوا من السفر، وإحنا الصبح نقعد نتفاهم، مش أصول تيجي تدب في بيتي وتخض مراتي كدة!”
“بيتك؟!” الكلمة ولعت فيا النار. طلعت يجري على المطبخ، سمعت صريخ حماتي وهي بتجري ورايا فاكراك هجيب ساطور، بس أنا مسكت أطراف السفرة اللي محطوط عليها طقم الصيني الأردني اللي بعتاه بفرنكات شقايا.. وبكل قوة الغل والظلم اللي حسيته، قلبت السفرة بكل اللي عليها!
