زهره الربيع 2

فريدة بنتي بصتلي بعيونها البيضاء الصافية وقالت بصوت طفولي بريء هز الصمت اللي كان مالين المكان: “بابا… هو في إيه؟ هم زعلانين ليه؟”
عمي الصغير قرب مني وعيونه أحمرت من الغل، وقالي ونبرة تهديد واضحة في صوته: “أنت فاكر إن الموضوع ده هيعدي بسهولة يا أحمد؟ فاكر إننا هنسيب لحمة ودمنا وثروة العيلة تروح لوحدة غريبة وبنت مالهاش لازمة؟ الوصية دي مطعون فيها، وإحنا هنرفع قضايا ونثبت إن جدك كان خرفان!”
المحامي ابتسم ابتسامة باردة، ولم أوراقه في الشنطة الجلد، وقفلها بصوت تكـّة واضح وقال وهو بيبص لعمي: “ارفعوا اللي تعوزوه يا حاج.. بس أحب أعرفكم، إن الموكل طالع قرار حراسة قضائية وموثق كل جنيه بأسماء المحامين والدكاترة اللي شهدوا على صحة عقله.. وأي حركة منكم هتعتبر محاولة استيلاء على أموال قاصر، وعقوبتها السجن المشدد.”
المحامي التفت لنور، انحنى لها باحترام وقال: “يا مدام نور.. الشقة جاهزة ومفروشة، والحساب البنكي اتفتح باسم الأنسة فريدة وأنتِ الوصية الوحيدة عليه.. تقدروا تستلموا مفاتيح الشقة والعربية من مكتبي بكرة الصبح.”
أعمامي كانوا واقفيين زي الأشجار الميتة.. الشماتة اللي كانت على وشوشهم من دقائق، اتقلبت لمرارة وقهر وخسارة ملهاش أول من آخر. كانوا واقفين يتفرجوا عليا وأنا ماسك إيد نور وبنتي، ومروحين من البيت اللي طردونا منه.
مسكت إيد نور جامد، وبصيت لأعمامي ولأمي، وقلت بكسرة عين لملايينهم وبشموخ: “السبع سنين العجاف خلصوا يا أمي.. والسبع السمان بدأوا.. بس المرة دي، بحلال ربنا وجبر خاطره للناس اللي صانت بعضها في الفقر.”
خرجنا من الباب الكبير.. الهواء برة كان نقي ودافئ، كأن الدنيا كلها بتتنفس معانا. نور بصتلي وهي بتشد على إيدي وقالت بصوت مرتعش: “أحمد… أنت كنت عارف؟”
قلت لها وأنا بحضنها وببوس رأس فريدة: “والله ما كنت عارف حاجة.. أنا كل اللي كنت عارفه إنك تسوي عندي الدنيا باللي فيها، وما كانش ينفع أبيعك ولو بكنوز الأرض.”
نور بكت بحرقة، وحطت رأسها على كتفي وأحنا ماشيين في الشارع..
بس فرحتنا المرة دي.. ما كانتش عارفة إيه اللي بيترتب لنا في الضلام.
بعد ساعتين بس من خروجنا، وفي الوقت اللي كنا بنلم فيه هدومنا البسيطة من الشقة الإيجار عشان ننقل للزمالك… التليفون رن.

