زهره الربيع 2

سكت المحامي لحظة، وكأن الزمن اتوقف في الصالة الكبيرة. العيون كلها اتعلقت بشفايفه، والأنفاس بتموت في الصدور. أعمامي كانوا واقفيين مشدوهين، وشوشهم اتقلبت للون الأصفر الدبلان، وأمي إيدها اترعشت وهي ماسكة في دراع عمي.

المحامي نظّف حنجرته، وبص للورقة ذات الظرف الأحمر، وقرأ بصوت جهوري هز أركان البيت:

“تنتقل ملكية المبلغ بالكامل (عشرين مليون جنيه مصري)، بالإضافة إلى شقة الزمالك والسيارة الفارهة… فوراً وبشكل مباشر وبدون أي قيد أو شرط… باسم الابنة الصغيرة (فريدة أحمد)، تحت وصاية والدتها (نور) وصاية كاملة ومطلقة، ولا يحق لأي شخص من العائلة — بما فيهم أحمد نفسه — التصرف في هذه الأموال أو التدخل في إدارتها حتى بل وغلوغها سن الرشد!”

الصدمة المرة دي ما كانتش مجرد صاعقة.. دي كانت زلزال هد الصالة على رأس الكل!

عمي الكبير صرخ بصوت هيستيري وهو بيتقدم ناحية المحامي: “إيه الخرف ده؟! أنت بتخرف بتقول إيه؟! يعني إيه البت الصغيرة ومراته؟! جدي اتجنن في آخِر أيامه ولا إيه؟!”

المحامي رد بثبات ووقار، وهو بيرفع الورقة في وش عمي: “الزم حدودك يا حاج! الموكل كان في كامل قواه العقلية، والوصية مصدقة وموثقة في الشهر العقاري وبشهادة أطباء نفسييين قدروا حالته العقلية قبل وفاته بيومين. وجدكم كتب النص ده بالحرف: (أردت أن أختبر معدن حفيدي أحمد.. فإن باع زوجته من أجل المال، أخذ المال وخسر نفسه وشرفه، وإن صانها واختارها على المال، أثبت أنه الوحيد الذي يستحق أن أؤمن مستقبل ابنته، وأن زوجته هي الأمينة الوحيدة على ثروتي).”

البيت كله اتزلزل! أعمامي بقوا يبصوا لبعض بذهول ورعب، الحقد اللي كان في عيونهم اتحول لجنون صريح. الثروة السائلة اللي كانوا مستنيين يورثوها أو يقسموها بعد ما أرفض الشرط، راحت كلها… ولـ مين؟ لـ “نور” اللي كانوا بيسموها الحرباية، ولـ “فريدة” البنت الصغيرة اللي ما كملتش خمس سنين!

أمي طاحت في الشير، وقعدت تلطم على وشها وهي بتبص لنور بصدمة مش قادرة تستوعبها: “يعني دي… دي اللي هتمسك الملايين؟! دي اللي كانت بتاكل معانا العيش والجبنة بقت صاحبة العشرين مليون والبيت والسيارة?!”

أنا نفسي كنت واقف في مكاني مش قادر أتحرك.. بصيت لنور، لقيتها حاطة إيدها على بؤها ومش مصدقة، الدموع كانت نازلة من عيونها زي المطر، بس المرة دي ما كانتش دموع انكسار.. كانت دموع فرحة وذهول وصدمة من جبر الخاطر اللي جابها ربنا من حيث لا نحتسب.

1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *