بقلم روماني مكرم 2

 

وصلت بيت أبوي والشمس كانت غابت والظلمة كست الشارع. كل خطوة طلعتها على السلم كانت بتدك قلبي، مش خوف، لكن من ثقل الهم وشيلة الواد المسخّن اللي كان جسمه زي الجمرة بين إيديا. أول ما فتحت أمي الباب وشافتني بالمنظر دا—شنطة سفر كبيرة في إيد، والواد مرمي على كتفي مش قادر يرفع راسه، وأخته ماسكة في ديل جلابيتي وبتعيط—صرخت ولطمت على صدرها:

ـ “يا مري! إيه اللي جرالك يا بنتي؟! مالك ومال عيالك؟! إيه الشنطة دي؟!”

دخلت وعينايا زغلت من التعب والقهر، رميت الشنطة وسندت الواد على الكنبة. في لحظتها خرج أبوي وأخويا الكبيرة “أحمد” من الأوضة على صوت الصريخ. أبوي بصلّي بفزعة وجاه عليا يرفع راسي، وأول ما ضوء اللمبة جه على وشي، شاف أثر صوابع محمود علم أحمر وورم على خدي الشمال.

أبوي وقف مكانة وزي ما يكون اتسمر، صوته طلع مخنوق من الصدمة:

ـ “مين اللي عمل فيكِ كده يا بنتي؟! محمود ضربك؟!”

أنا ما قدرتش أمسك نفسي أكتر من كده، الانهيار اللي حبسته طول الطريق انفجر في لحظة. قعدت على الأرض بين إيدين أمي وبكيت بكا يقطع القلب، وحكيتلهم كل حاجة.. حكيت عن الثمان سنين اللي كنت باكل فيهم نفسي عشان أعدي المراكب، حكيت عن سلفتي الهانم اللي شغالين تحت إيدها، وحكيت عن طلب حماتي إني أروح أنضف بيت الناس وأشتريلهم أكل من طاقيتي وأسيب الواد وهو مولع نار، ولما رفضت ودافعت عن كرامتي.. محمود كان جزائي منه القلم والإهانة والطرد.

أخويا أحمد لما سمع الكلام دا، عيونه احمرت والدم غلي في عروقه، ضرب الترابيزة بإيده كسّر الزجاج اللي عليها وزعق بصوت هز البيت:

ـ “والله ما هسيبك يا محمود يا ناقص! بقا أختي اللي شايلك وشايلة أهلك ثمان سنين تضربها عشان خاطر سلفتها وحماتك؟! والله لأعرفك مقامك وأربيك من أول وجديد!”

أبوي مسك أحمد ووقفه بصوت حاد قاطع:

ـ “اقف عندك يا أحمد! الحق دا حقي أنا، والدقن دي مش هتبقى على راجل لو ما جبتش حق بنتي تالت ومتالت وخلتيهم يمشوا على العجين ما يلخبطوهوش!”

في نفس الليلة، أخدنا الواد وجرينا بيه على الدكتور، طلع عنده التهاب شديد في الزور وسخونية عالية، والدكتور كتبله على جلسات وأدوية وحذرنا إن الإهمال كان ممكن يدخله في مضاعفات خطيرة. ساعتها أبوي بصلي وقال: “شايفة؟ عيلك كان هيروح منك عشان تروحي تنضفي وتطبخي لست الحسن والجمال!”

1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *