بقلم شروق خالد

رجعت البيت بدري وأنا جسمي كله مكسر من السخونية. أول ما فتحت الباب سمعت جوزي بيقول من أوضة النوم بصوت هادي جدًا:
“لو نفسها وقف بالليل… محدش هيشك في حاجة.”
الجملة خبطتني في قلبي. فضلت واقفة مكاني كام ثانية، وأنا مش مصدقة اللي سمعته. كنت فاكرة إن السخونية بتخليني أتهيأ، لكن لما قربت بهدوء من الباب الموارب، عرفت إني سامعة كويس.
اسمي ندى عبد الرحمن، عندي تسعة وتلاتين سنة، وصاحبة صيدلية كبيرة في القاهرة، متخصصة في تحضير الأدوية المركبة للمرضى اللي حالتهم محتاجة تركيبات خاصة. بقالي إحدى عشر سنة متجوزة كريم منصور، مندوب أجهزة طبية، والراجل الوحيد اللي يعرف كل تفاصيل حالتي الصحية، خصوصًا إني بعاني من حساسية صدر شديدة، وأقل حاجة ممكن تقفل نفسي.
في اليوم ده، الصيدلانية اللي معايا، سارة، أصرت إني أمشي.
قالت لي:
“يا دكتورة ندى، حضرتك وشك أحمر وبتترعشي من السخونية. روحي ارتاحي، الشغل مش هيطير.”
كريم كان قايلي الصبح إنه مسافر الإسكندرية يحضر مؤتمر شغل، وبعتلي صورة من فندق، ورسالة كلها اهتمام وحب، بيقول فيها إنه نفسه يكون جنبي.
لكن لما سمعته داخل البيت بعد العصر، من غير ما يولع النور، حسيت إن في حاجة غلط.
استخبيت ورا ستارة الصالة، وفضلت أراقبه.
طلع من جيب الجاكيت زجاجة صغيرة بنية، وبص حواليه يتأكد إن مفيش حد، وبعدها شال المخدة الطبية اللي بنام عليها كل ليلة، ورش عليها سائل شفاف، ورجعها مكانها بمنتهى الهدوء.
وبعدين همس في التليفون:
“خلصت… مع تاريخها المرضي، أي حد هيقول إنها ماتت بسبب أزمة تنفس.”
جسمي اتجمد، لكن خوفي خلاني أفضل ساكتة.
بعد ما خرج من البيت، قفلت الأبواب، ولبست جوانتي، وشلت كيس المخدة من غير ما أقربه من وشي، وحطيته في أكتر من كيس محكم.
بعدها اتصلت بصاحبتي الدكتورة نهى، وهي أستاذة سموم في كلية الطب.
قلت لها بصوت مهزوز:
“يا نهى… محتاجة تحللي حاجة حالًا، ومينفعش أي حد يعرف.”
ردت من غير تردد:
“متشمّيش المخدة، ومتباتيش في البيت لوحدك، وتعالي على المعمل فورًا.”
وفي نفس الليلة أكدت التحاليل إن القماش عليه مادة ممكن تسبب انقباضًا شديدًا في الشعب الهوائية عند استنشاقها لفترة، خاصة لحد بيعاني من الربو، ومعاها مادة مهدئة تخلي الضحية تنام بعمق.
