مرات اخويا 4

عاد محمود إلى قريته يجر أذيال الخيبة والندم. دخل بيته ل يجد أباه وأمه يجلسان في الصالة. ارتمى محمود تحت قدمي أبيه يبكي بحرقة ويصرخ: “سامحني يا بوي.. أنا ضيعت سحر.. سحر هتتجوز يا بوي! سحر طلعت سليمة ومفيهاش عيب وأنا اللي كنت أعمى وخسيس!”

نظر إليه والده بنظرات جافة، وسحب قدمه من تحت يديه وقال بنبرة ميتة: “فات الأوان يا محمود.. الندم مش بيرجع اللي انكسر. سحر عاشت وماتت في نظرك عشان حتة لحم، ودلوقتي ربنا بيجازيك بنفس العملة.. هتعيش طول عمرك تندم على ست كانت شايلاك في عينيها وأنت بعتها برخص التراب.”

انعزل محمود في شقته الفارغة، تمر عليه الأيام كأنها سنوات. أصبح يرى طيف سحر في كل ركن، يسمع ضحكتها في الممر، ويتذكر قسوته عليها في تلك الليلة المشؤومة. تحول من رجل مغرور ومتكبر إلى جسد بلا روح، يأكله الندم ويحرقه العجز.

وبعد مرور عدة أشهر، وفي ليلة شاتية مظلمة، كان محمود يجلس في شقته وعيناه معلقتان بالسقف، حتى سمع صوت زغاريد قوية تأتي من بعيد.. أصوات احتفال وفرح تهز أرجاء المنطقة. خرج إلى الشرفة بلهفة، ليرى جاره الممرض يقف في الشارع ويتحدث مع الجيران بصوت عالٍ.

استمع محمود إلى الكلمات التي جعلت قلبه يتوقف عن النبض تماماً، ومفاجأة أخيرة وصادمة لم تكن تخطر له على بال، ستضع النقطة الأخيرة في كتاب عذابه…

#الكاتب_رومانى_مكرم

كانت الزغاريد تقترب وتعلوا، والأنوار تملأ الشارع الأسفل من منزله. أطل محمود بجسده كله من الشرفة، وعيناه تملأهما الحيرة، حتى رأى سيارة مزينة بالورود تقف أمام بيت عائلة سحر القريب، وخرجت منها سحر بطرحتها البيضاء كالملك المتوج، وبجوارها الدكتور شريف يمسك يدها بحب وفخر أمام الجميع.

لكن الصدمة الحقيقية التي جعلت عقل محمود يطير، هي عندما رأى والده وأمه وأخاه يقفون في مقدمة المستقبِلين! نزل والده من السيارة وهو يستند على عصاه، وتقدم نحو الدكتور شريف وعانقه، ثم التفت إلى سحر وقبّل رأسها وهو يبكي ويقول بصوت مسموع أحرقت كلماته قلب محمود: “مبروك يا بنتي.. ربنا عوضك براجل صانك وعرف قيمتك، وعوضنا بإبنة بارة هنفضل نتشرف بيها طول عمرنا.”

أدرك محمود في تلك اللحظة النهاية الكاملة؛ عائلته تبرأت منه ومن أفعاله واختارت أن تقف مع الحق، بينما بات هو منبوذاً، وحيداً، وخارج كادر الحياة تماماً.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *