مرات اخويا 4

لم يستطع محمود تحمل البقاء في القرية، فقرر بعد أسبوعين أن يذهب إلى المدينة المقيمة بها سحر محاولاً التلصص من بعيد، لعل عينه تقع عليها ليرى كيف أصبحت. وقف محمود على ناصية الشارع القريب من منزل والدها، يختبئ وراء نظارته الشمسية وجسده يرتجف.

وفجأة، انفتح باب البناية، وخرجت سحر..

كانت ترتدي فستاناً أنيقاً ومحتشماً، ووجهها يشع نضارة وحيوية كأنها لم تذق طعم المرض يوماً، ولم تكن وحدها.. كان يسير بجوارها أحمد شقيقها، وشاب آخر طويل القامة، ملامحه طيبة ويحمل في يده باقة زهور كبيرة، وكان يلتفت نحو سحر ويبتسم لها باهتمام واحترام شديد، بينما كانت سحر تبادله الابتسامة براحة وثقة لم يرها محمود على وجهها طوال سنوات زواجهما.

اشتعلت النار في قلب محمود، وتحركت قدماه دون إرادة منه ليتجه نحوهم والمواجهة تملأ عينه، لكن قبل أن يخطو خطوة واحدة، استوقفته يد قوية قبضت على كتفه من الخلف، والتفت ليجد أمامه…

#الكاتب_رومانى_مكرم

التفت محمود بذعر ليجد صاحبة اليد القوية هي “الدكتورة منى” نفسها، طبيبة سحر السابقة. كانت تقف وتنظر إليه بنظرات حادة ومليئة بالتحذير.

قالت الدكتورة منى بصوت منخفض لكنه حازم كالسيف: “رايح فين يا محمود؟ عاوز تبوظ لها حياتها تاني بعد ما ربنا نجاها منك؟ اطلع برة الصورة خالص.. مكانك مابقاش هنا.”

نظر إليها محمود وعيناه تملأهما الدموع والغل، وأشار بيده المرتجفة نحو الشاب الذي يقف مع سحر وقال بنبرة محترقة: “مين ده يا دكتورة؟ مين اللي واقف معاها وبيضحك لها ده؟ سحر لسة في شهور العدة.. إزاي واقفة مع راجل غريب كده في الشارع؟!”

نظرت إليه الدكتورة منى بشفقة واحتقار وقالت: “العدّة خلاص هتنتهي يا محمود، والشاب ده يبقى الدكتور ‘شريف’، الطبيب الجراح اللي عمل لها العملية وأنقذ حياتها في المستشفى. شريف شاف معدن سحر ونقاءها وهي في أصعب لحظات حياتها، وعرف قيمتها لما أنت رمتها. هو طلب إيدها من أبوها وأخوها، والكل وافق، ومستنيين الأيام دي تعدي عشان يكتبوا الكتاب.. شريف مش بس هيحافظ عليها، ده هيعوضها عن كل يوم مر شافته معاك.”

نزلت الكلمات على محمود كصاعقة دمرت ما تبقى من عقله. تراجع إلى الخلف وخطواته تتعثر في أرصفة الشارع، وهو ينظر إلى سحر التي ركبت السيارة بجوار الدكتور شريف وأخيها أحمد، وتحركوا مبتعدين، دون أن تلتفت أو تشعر حتى بوجوده في نفس المكان.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *