مرات اخويا 3

مرت أيام قليلة، وقرر أبي أن يأخذ كبار العائلة ويذهب إلى بيت والد سحر لطلب الصلح وتهدئة النفوس قبل جلسة المحكمة. أجبرنا محمود على المجيء معنا، وكان يسير بيننا منكس الرأس، مطأطأ العينين، بعد أن سلبته الأوراق القضائية كل كبريائه المصطنع.
وصلنا إلى بيت والد سحر في قريتهم. كان بيتاً ريفياً بسيطاً لكنه يفيض بالكرامة. استقبلنا والد سحر وأحمد في المضيفة ببرود شديد. جلس أبي وتحدث بلسان الحكمة والاعتذار: “يا حاج.. إحنا نسايب ولحم ودم، والعيال غلطوا والشيطان دخل بينهم، وإحنا جايين وفي وشنا كبار البلد ونقولك حقك علينا، ومحمود ندمان وعاوز يرجع مراته ويشيلها فوق راسه.”
وقف أحمد، شقيق سحر، ونظر إلى محمود باحتقار وقال بصوت صارم: “الصلح ده كان ينفع وهي في أوضة العمليات يا حاج.. كان ينفع لما كان أخوك بيملى المستشفى صريخ ويقول مش دافع مليم! سحر مش هترجع للبيت ده تاني، والقانون هو اللي هيجيب حقها وحق الوجع اللي عاشته.”
في تلك اللحظة، ومن خلف الستار الفاصل بين المضيفة والمنزل، انفتح الباب ببطء. خرجت سحر.. كانت تسير بخطوات ثقيلة ومجهدة، وجهها شاحب، وتحمل بضعف كيساً موصولاً بجسدها تحت ملابسها الفضفاضة.
تسمرت عيون الجميع عليها. نظر إليها محمود، ولأول مرة لم ينظر إلى مكان العملية، بل نظر إلى عينيها التي كانت تلمع بدموع انكسار وخيبة أمل لم يرها فيها من قبل. وقفت سحر، وسندت يدها على الجدار، ونظرت إلى محمود وقالت بصوت متحشرج وضعيف هز أركان المكان: “أنا مش عاوزة قضايا يا أحمد.. ولا عاوزة تعويض.. أنا عاوزة حاجة واحدة بس من الراجل ده..”
التفت الجميع نحو سحر بلهفة، وانتظر محمود كلمتها وكأنه ينتظر طوق النجاة، لكن سحر رفعت رأسها ونظرت في عينيه مباشرة، وقالت جملة واحدة جعلت الدماء تجف في عروق محمود..
#الكاتب_رومانى_مكرم
نطقت سحر بصوت واهن، لكنه كان يحمل نبرة حسم لم يعهدها محمود فيها من قبل: “أنا مش عاوزة غير إني أشوف وشك وأنت بتطلقني حالا يا محمود.. طلاق رسمي عند مأذون، ومن غير ما تطلع من الباب ده.. تطلقني وتنسى إن كان ليك زوجة اسمها سحر!”
خيم صمت رهيب على المكان، صمت لم يقطعه سوى أنفاس محمود المتلاحقة. كان يتوقع أن تطلب نفقة مبالغاً فيها، أو تطلب منه الاعتذار علناً، لكن طلبها بالانفصال الفوري والنهائي دون أي شروط مالية كان بمثابة صفعة أقوى من كل القضايا التي رفعتها عائلتها. كانت نظرتا عينيها تخبرانه بشيء واحد: “أنت لم تعد تعني لي شيئاً، حتى لأنتقم منك.”


