بقلم روماني مكرم 1

— “اخفضي صوتك… البنت نائمة. الموضوع مش زي ما أنتِ فاهمة خالص، دي قض*ية… دي ترتيبات شغل!”

ضحكت بمرارة، ضحكة مخنوقة خرجت من أعمق نقطة في صدري:

— “ترتيبات شغل؟ الجواز العرفي بقى من ترتيبات الشغل يا حضرة المقدم؟ ورقة الجواز العرفي اللي باسمك واسمها دي مأمورية سرية؟”

تجمّد مكانة، وعرف أن الدفاع بكلمة “شغل” لم يعد ينفع هذه المرة. أسقط يديه بجانبه وتنهد بتعب شديد، ثم قال بنبرة استعطاف لم أسمعها منه طوال عشر سنوات:

— “سمعيني للأخر يا ندى… أنتِ مش فاهمة المرأة دي مين، ولا فاهمة هي داخلة السجن في إيه. ريم دي مسجونة في ق/ضية كبيرة، وكان لازم…”

قاطعته بقوة وصوتي يبدأ في الاهتزاز:

— “وكان لازم تتجوزها؟ كان لازم تجيب عطرها الرخيص على قميصك وترجعلي الساعة اتنين بالليل وتقولي شغل؟ عشر سنين وأنا صابرة، أقول جوزي ضابط ومسؤولياته كبيرة، صاينة بيتك وبنتك، وفي الآخر تروح تتجوز سجينة عندك في العنبر؟”

خطى نحوي وأمسك بكتفيّ بقوة، وعيناه تثبتان في عينَيّ بكل ترجي:

— “والله العظيم ما لمستها! الورقة دي كانت الحل الوحيد عشان أسيطر عليها وتكلمني… ريم وراها شبكة كبيرة، وهي الوحيدة اللي حيلتي نوصل بيها للرؤوس الكبيرة. لو كانت عرفت إني بضغط عليها بصفتي ضابط كانت قفلت تماماً، كان لازم أحسسها إنها ماسكاني من إيدي اللي بتوجعني!”

نظرت في عينيه أبحث عن الصدق الذي ألفته لعشر سنوات، لكنني لم أعد أرى سوى غريب.

رفعت الهاتف أمام وجهه وفتحت الرسالة الأخيرة، تلك الرسالة التي جعلت أطرافي تبرد تماماً.

قلت له بصوت يرتجف:

— “ولما هي مأمورية… ورقة ضغط… ليه كاتبالك ‘لازم مراتك تعرف الحقيقة قبل ما أنا أخرج’؟ ليه بتقولك الساعات دي بالذات؟”

ارتبك ياسين تماماً. اتسعت حدقتا عينيه وهو يقرأ الكلمات على الشاشة، وكأنه لم يكن يعلم بأمر هذه الرسالة بالذات.

سحب الهاتف من يدي بسرعة هذه المرة، وظل يقرأ الرسالة مراراً وتكراراً، والوجوم يكسو وجهه.

همس لنفسه بذهول:

— “هي وصلت لندا إزاي؟ هي عرفت توصلك إزاي؟”

رفعت رأسي ونظرت إليه برعب جديد:

— “يعني إيه عرفت توصلني؟ هي تعرفني؟”

نظر إليّ ياسين بنظرة حافلة بالخوف الحقيقي، خوف لم أره في عينيه حتى في أشد المأموريات خطورة. لم يكن خائفاً من كشف أمره أمامي فقط، بل كان خائفاً من شيء آخر… شيء أكبر بكثير.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *