بقلم نور محمد

تاني يوم الصبح بدري، أحمد نزل جاب خزين كامل للمطبخ: خضار، فاكهة، لحوم، أجبان، وألبان، وجاب صنايعي صيانة ثلاجات شاطر وبيفهم في الأصول، وطلعنا سوا شقة أم يوسف.
خبطت على الباب، ولما فتحت لي كانت عينيها منتفخة من كثرة البكاء طول الليل، بس حاولت تبتسم ابتسامتها الصابرة.
قلت لها وأنا ببتسم وبمسك إيدها بحب: “يا أم يوسف، الأستاذ أحمد جوزي جاب المهندس ده خصوصاً عشان يشوف تلاجتك، وبصراحة كدة هو قرايبنا ومصمم يحل المشكلة دي هدية منه لوالدتك الحاجة البركة بتاعتنا، ولو رفضتي هزعل منك بجد ومش هكلمك تاني!”.
أم يوسف اتفاجئت وبصت لي بذهول، وحاولت تعتذر وتتهرب بإحراج: “يا بنتي بلاش تكلفة، والله الماتور غالي وأنا…”.
قاطعتها فوراً وأنا بحضنها: “مفيش كلام من ده يا أم يوسف، إحنا أهل وأخوات، ووالدتك زي أمي تماماً”.
دخل المهندس وكان متفق معانا مسبقاً، تظاهر إنه بيفحص التلاجة وقال بصوت عالي عشان الكل يسمع: “يا جماعة المشكلة بسيطة جداً، ده السلك كان ملمس ومحتاج قطعة غيار بسيطة خالص وأنا غيرتها خلاص والتلاجة زي الفل دلوقتي!”.
في نفس الوقت، دخل أحمد بالشنط الكبيرة اللي فيها كل الخير، ورصيناها جوة التلاجة والمطبخ، والولاد الصغيرة عينيهم كانت بتموت من الفرحة وهم شايفين الأكل والعصير والخير يدخل بيتهم.
أم يوسف وقفت في نص المطبخ، وبصت للتلاجة وهي شغال صوتها المنتظم، وبصت للخير اللي فيها، وبعدها بصت لي.. عرفت من نظرتي إني فهمت كل حاجة، عرفت إني شفت سرها البارحة.
انفجرت في العياط، بس المرة دي كان عياط راحة وفرج، حضنتني بقوة وقالت لي وهي بتدعي لي والدموع مغرقة وشها: “ربنا يسترك يا نور زي ما سترتيني، ربنا يجبر خاطرك وما يحوجك لغيره أبداً يا بنتي”.
من اليوم ده، اتعلمت درس عمري ما هنساه في حياتي: إن السعادة والحاجة مش دايماً باينين على وشوش الناس، في ناس عايشة بيننا بقمة الشياكة والرضا، بيضحكوا في وشنا ويكتموا وجعهم وجوعهم عشان عزة نفسهم.
ومن يومها وأم يوسف مش مجرد جارة، دي بقت أختي الكبيرة وامي التانية، وكل خير يدخل بيتي لازم يدخل بيتها قبلي.

