بقلم نور محمد

الكاتبه_نور_محمد

بصيت جوة التلاجة الشفافة في الضلمة، فلقيتها فاضية تماماً، مفيهاش حتى إزازة مية، نظيفة وممسوحة وزي الفل بس مفيهاش قشة، فيشة التلاجة نفسها كانت مفصولة ومربوطة على جنب، التلاجة مكانتش بايظة ولا حاجة، التلاجة كانت فاضية لأن مفيش أكل يتحط فيها أساساً.

وفي نفس اللحظة دي، جالي صوت أم يوسف من الأوضة، صوتها كان متقطع بالدموع وهي بتهمس لولادها وتطبطب عليهم:

“معلش يا يوسف يا حبيبي، نام أنت وإخواتك دلوقتي، بكرة ربنا يفرجها وييجي رزق جديد، الجبنة اللي كانت عند طنط نور أكلنا منها الصبح، والحمد لله شبعنا، معلش يا ولادي استحملوا معايا، ربنا مش بينسى حد أبداً”.

الكلمات نزلت عليا زي الصاعقة، ركبي خانتني ودموعي نزلت بغزارة وبدون صوت، افتكرت كل مرة كانت بتنزل فيها بكيس صغير فيه حتة فرخة أو كيس صلصة أو علبة جبنة صغيرة أوي، افتكرت لما كنت بقول لجوزي “دي بتستخسر” ولما هظرت معاها بقلة ذوق وقلت لها “ده الماتور لو جاي مشي من الصين كان وصل!”.

اكتشفت الحقيقة المرة اللي كانت غايبة عني، أم يوسف مكانتش بتتحجج بالتلاجة عشان بخل ولا كسل، أم يوسف كانت بتعمل كدة عشان تحافظ على كرامتها وعزة نفسها قدام ولادها وقدام الجيران، الحاجات البسيطة اللي كانت بتجيبها لي تشيلها في تلاجتي دي كانت كل الأكل اللي بييدخل بيتها، مكانتش قادرة تشتري أكل يحتاج تلاجة، وكانت بتجيب لي الأكل الصغير ده عشان تحسس ولادها إن عندهم خير وشايلينه عند الجارة لحد ما “التلاجة تتصلح”!

رجعت بضهري بشويش من غير ما تحس بيا، ونزلت شقتي والدموع غامية عيني، دخلت على جوزي وأنا بصرخ بصوت مكتوم وببكي بحرقة، اتفاجئ بيا وسألني بلهفة: “في إيه يا نور؟ حصل إيه فوق؟”.

حكيت له كل كلمة وكل منظر شفته، مسكت في إيده وقلت له وأنا بقايد نفسي من الخجل: “أنا ظلمتها يا أحمد.. أنا تطفلت عليها وهظرت معاها هزار يوجع، والست عايشة هي وولادها وأمها المريضة في عفة وكبرياء يهدوا الجبال!”.

أحمد جوزي وشه اتغير واتأثر جداً، وقالي بصوت مليان ثبات: “الحمد لله إن ربنا كشف لك السر ده عشان نلحق نعمل حاجة، العتاب والخجل مش هينفعوهم دلوقتي، المهم نصلح اللي فات ومن غير ما نجرح كرامتها أبداً”.

اتفقنا على خطة هادية تضمن كرامة أم يوسف وتنقذ البيت ده من الوجع.

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *