حكايات زهره الربيع 3

مسكت الملاحة بإيدها، وبصت للحلّة المقفولة، وبعدين بصتلي. في اللحظة دي الوقت اتجمد في المطبخ.. أنا ومصطفى اللي كان واقف عند باب الصالة حبسنا أنفاسنا تماماً. عينيا راحت تلقائياً للدرج اللي فيه علبة الملح المستخبية، وبعدين رجعت لوشها.

طنط قربت بالراحة، وحطت الملاحة على الرخامة جنب البوتاجاز من غير ما تفتحها، وابتسمت ابتسامة هادية جداً وقالتلي:

“ولاء يا بنتي.. ذوقي الشوربة كده وقوليلي، حاسة إنها محتاجة حاجة؟”

مديت إيدي بالمعلقة بالراااحة، أخدت نقطة شوربة وذوقتها.. طعمها كان مظبوط ودافي، بس الطعم الحقيقي كان في الحركة نفسها! طنط بتسألني عشان تشاركني، مش عشان تحط ملح وخلاص.

قلت لها بصوت مليان فرحة: “تسلم إيديكي يا طنط.. الشوربة طالعة زي الفل ومظبوطة على الشعرة!”

طبطبت على كتفي وقالتلي: “طب الحمد لله يا بنتي.. يارب بس تطلع تعجب مصطفى وما يقولش عادمة.”

دخل مصطفى المطبخ بخطوة سريعة وعينيه بتلمع، وقام حاضن أمه من ضهرها وباس رأسها بغشم: “هو حد يقدر يقول على أكلك حاجة يا أم مصطفى؟ ده أنا باكل من إيديكي حاف!”

قعدنا كلنا على السفرة نتغدى.. الأجواء كانت مختلفة تماماً عن كل الأيام اللي فاتت. مفيش صمت قاتل، مفيش صوت عقرب ثواني بيرن في أذن حد. الشباك كان مفتوح، وصوت الهواء مع صوت الراديو الشغال في الصالة وصوت ضحكاتنا إحنا التلاتة مالين المكان.

وأول ما طنط أخدت أول معلقة أكل من الطبق اللي طبخناه سوا.. أنا ومصطفى بصينا لبعض بلهفة ونفس مكتوم.

سكتت ثواني.. وبصت للطبق، وبعدين رفعت رأسها وبصتلنا.

قلبي كان بيموت من القلق.. يا ترى هتول إيه؟ هل السر القديم لسه مأثر عليها؟ هل الأيام اللي عاشتها في الوحدة هترجع تسيطر على لسانها؟

ابتسمت طنط ابتسامة صافية طالعة من جوة قلبها، وقالت بصوت هادي ودافي:

“الأكل النهاردة.. مظبوط بالملي يا ولاء، يسلم إيديكي يا بنتي، سكر زي العسل.”

في اللحظة دي، حسيت كأن جبل شالوه من على صدري! مصطفى بصلي بعيون مليانة دموع امتنان، ومسك إيدي تحت الترابيزة وضغط عليها بقوة. الكلمة دي.. “الأكل مظبوط يا ولاء”.. كانت أكبر شهادة تقدير أخدتها في حياتي، مش عشان شطارتي في الطبيخ، لكن عشان عرفنا نرجع الضحكة والروح للست الطيبة دي من غير ما نكسر خاطرها ولا نعرفها إننا كشفنا سرها.

1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *