طلقت مراتي الاخير

جاءني صوت ماجد باكياً، منهاراً تماماً: “مش كدب يا أحمد.. أنا لسه مكلم أخوها من دقيقتين. الميكروباص اللي كانت راكباه اتقلب بيها، وهي دلوقتي في غرفة العمليات بمستشفى أسيوط الجامعي بين الحياة والموت.. نزيف في المخ وكسور مضاعفة. أخوها منهار وبيقول إنها كانت سرحانة وبتبكي طول الطريق بسبب الضغط اللي حصل الصبح.”
سقط الهاتف من يدي. انهرت على ركبتي وسط الصالة المظلمة. كل شيء انهار في لحظة واحدة؛ شهرتي، مالي، كبريائي، والآن.. الإنسانة الوحيدة التي علمتني كيف أكون بشراً. لم أفكر ثانية واحدة، أخذت مفاتيح سيارتي، وفتحت الباب دون أن أهتم بالصحفيين الذين كانوا لا يزالون يتجمهرون في الخارج. اندفعت وسطهم كالمجنون، وركبت سيارتي وقررت القيادة إلى أسيوط بأقصى سرعة، حتى لو كلفني ذلك حياتي.
طوال الطريق الصحراوي المظلم، لم تكن عيني ترى سوى وجه هيام.. وجهها وهي تبتسم لي في سنتنا الأولى، ووجهها الباكي في قاعة الأفراح، ووجهها النوراني وهي تقرأ القرآن بجانب أبي. كنت أضرب مقود السيارة بيدي وأبكي بصوت عالٍ: “يا رب خذ من عمري واعطيها.. يا رب لا تحاسبها بذنب أنانيتي وغروري.”
وصلت إلى مستشفى أسيوط الجامعي مع أول خيوط الفجر. كانت الممرات تعج بالحركة، ورائحة الدم والمطهرات تعيد لي ذكريات الأسبوع الماضي، لكن الوجع هذه المرة كان مضاعفاً آلاف المرات. ركضت نحو قسم الطوارئ والعناية المركزة، فوجدت عائلتها هناك؛ والدتها تجلس على الأرض وتبكي بحرقة، وأخوها “محمود” يقف مسنداً رأسه على الجدار وعيناه حمراوان كالدم.
بمجرد أن رآني محمود، تحولت ملامحه إلى غضب عارم. اندفع نحوي وأمسك بتلابيب قميصي وضغطني بقوة على الجدار وهو يصرخ في وجهي وسط الممر: “جاي ليه؟! جاي تشوف تمثيلية جديدة؟ اختي بتموت بسبابك! من اللحظة اللي دخلت فيها حياتها وأنت بتكسر فيها وتطفيها لحد ما رمتها في الشارع وخليت سيرتها على كل لسان! اخرج بره!”
لم أقذفه، ولم أدافع عن نفسي. تركت يده تمزق قميصي، ونظرت إليه بدموع حقيقية وقلت بصوت مبحوح: “اضربني يا محمود.. موتها في إيدك لو ده هيريحك، بس مش هتحرك من هنا لحد ما أطمن عليها. أنا السبب في كل حاجة.. أنا المستحق الموت مش هي.”
تدخل بعض أفراد الأمن والأطباء وفصلوا بيننا. جلس محمود على مقعد وهو ينشج بالبكاء، بينما انزويت أنا في زاوية مظلمة من الممر، جلست على الأرض، ووضعت رأسي بين ركبتي، تماماً كما فعلت في الحمام عندما ظننت نفسي مريضاً بالبهاق.. لكن الخوف هذه المرة لم يكن على جلدي، بل على الروح التي تحيي هذا الجسد.

