مرات اخويا1
روماني مكرم

نظر الطبيب إلى محمود ثم إلى والد سحر وقال بصوت منخفض ومحمل بالأسف: “العملية كانت معقدة جداً.. للأسف المؤشرات الحيوية نزلت فجأة، وحصل هبوط حاد في الدورة الدموية وتوقف مؤقت لعضلة القلب بسبب الإجهاد والضغط النفسي الشديد اللي كانت بتمر بيه المريضة قبل الدورة الجراحية. قدرنا ننعش القلب والحمد لله، لكنها دلوقتي في حالة حرجة جداً وفقدت دم كتير، ولازم تتنقل العناية المركزة تحت الملاحظة لـ 48 ساعة الجايين.”
سقطت والدة سحر على الأرض مغشياً عليها من الصدمة، فتجمع الممرضون حولها، بينما وقف والد سحر كالطود الشامخ، رغم الدموع التي تحجرت في عينيه. التفت ببطء نحو محمود، ونظر إليه بنظرة حزن ممزوجة بالقرف وقال بصوت خافت لكنه زلزل كبرياء محمود: “سمعت يا جوز بنتي؟ سمعت يا اللي كان هامك الشكل والمظهر؟ بنتي بتموت.. بتموت بسبب قسوتك وضغطك عليها لحد ما قلبها مابقاش مستحمل.. غور من وشنا، مش عاوزين منك مليم، ولا عاوزينك في حياتنا تاني.”
في تلك اللحظة، ظهر السرير المتحرك وهو يخرج من غرفة العمليات. كانت سحر ممددة عليه، وجهها شاحب كالأموات، تحيط بها الأجهزة وخراطيم التنفس، وضمادة بيضاء ضخمة تلف صدرها.. ذلك الصدر الذي كان محور النزاع والخلاف، بات الآن دليلاً على معركة شرسة بين الحياة والموت.
تحرك السرير سريعاً نحو العناية المركزة. تسمر محمود في مكانه، وبدت على وجهه لأول مرة علامات الذهول والارتباك. الرغبة في الانتقام والغل التي كانت تملأه تلاشت تدريجياً لتترك مكاناً لصدمة حقيقية. تقدمتُ منه وأمسكت بذراعه وقلت له بصوت مرتجف: “شايف يا محمود؟ شايف وصلنا لإيه بعنادك؟ مرتك بتموت.. ضيعت الست عشان كلام فارغ!”
نفض محمود يدي عنه بعصبية، لكن صوته هذه المرة لم يكن بنفس القوة، بل كان يحمل رعشة خفية: “أنا مالي؟ هما اللي ودوها للموت بجهلهم وعملوا العملية من ورايا.. أنا ماشي من هنا.”
تحرك محمود نحو مخارج المستشفى بخطوات سريعة، يحاول الهروب من نظرات الاحتقار التي حاصرته من كل مكان، ومن صوت ضميره الذي بدأ يصرخ في داخله. ركبتُ معه السيارة مرة أخرى، وكان الصمت داخلها خناقاً. لم يتحدث بكلمة طوال طريق العودة، لكن يديه على عجلة القيادة كانت ترتجفان بشدة.
عندما وصلنا إلى المنزل، كانت أمي وأبي بانتظارنا على أحر من الجمر. وبمجرد أن دخلنا، ارتمت أمي على محمود تسأله بلهفة: “طمني يا ابني.. سحر عاملة إيه؟ والعملية حصل فيها إيه؟”
