حكاية عز وغزل ج5
بقلم انجي الخطيب

اتسمر عز في مكانه، وابتلع ريقه بصعوبة وكأن كلمة “اختفت” نزلت على دماغه زي الصاعقة. الغضب اللي كان جواه من ثواني اتقلب فجأة لجمود مرعب، وعيونه اتسعت بصدمة مش مصدقها.
بص لسالم بنظرة حادة وقال بصوت منخفض وخشن كأنه بيطلع من جروحه:
“يعني إيه اختفت؟ دورتوا عليها فين؟”
رد سالم وعلات نبرة التوتر في صوته:
“دورت في كل حتة يا عز.. في السرايا، وفي المخازن، وحتى برة عند البوابات. الخادمات بيقولوا إنها خلصت شغلها بعد الفرح ومحدش شافها بعدها.. والكلب بتاع الحراسة مربوط ومش بينبح، يعني مفيش دخيل دخل السرايا.”
ياسمين، اللي كانت واقفة حاطة إيدها على خدها ومصدومة من اللي كان هيحصل فيها، بصت لعز وسالم بذهول، وقالت بصوت مهزوز بس فيه فضول لاذع:
“هي مين دي اللي اختفت ومخلياك مخلوع كده يا حضرة الظابط؟ أوعى تكون… الخدامة الغلبانة اللي كانت واقفة بعيد؟”
عز ماردش عليها، ولا حتى كأنه سمع صوتها. عقله كان بيلف بسرعة البرق. غزل.. في نص الليل، وبرة السرايا وحدها في بلد زي دي؟ ومبتعرفش تحمي نفسها.. لو حد شافها.. لو جرالها حاجة..
قطع تفكيره صوت سالم وهو بيقرب منه أكتر وبيقول:
“الناس برة هتبتدي تصحى للفجر، والعمدة لو حس بحاجة هيعمل قلق.. ناوي على إيه يا عز؟”
بص عز لياسمين نظرة أخيرة، نظرة حاسمة وقاسية قالت كل حاجة من غير كلام، وقال بصوت حازم:
“قسَمي ده هيتاجل لوقت تاني، وحسابك معايا مش هيطول..
وجوه عقلة وقلبة بيقول بس لو غزل جرالها حاجة او اتلمست شعرة واحدة منها ، البلد دي كلها هتتقلب.”
سابهم واتحرك بخطوات واسعة ومرعبة، رمى عبايته على كتافه ونزل السلم طيران، وقلبه مقبوض وكأن فيه نار ولعة في صدره. خرج من السرايا في الظلمة، وعينه بتدور في كل زاوية، مستعد يحرق الأخضر واليابس عشان يلاقيها.
أول ما عز نزل درجات السرايا بخطوات سريعة، كان لسه هيتحرك ناحية البوابة، لكن صوت العمدة رجب شق المكان كله.
“عــــــــــــز!”
وقف عز مكانه، ولف ببطء.
العمدة كان واقف في نص الدوار، وهيبته مالية المكان، وكل الخدم والغفر وقفوا ساكتين.
قرب منه بخطوات ثابتة، وقال بصوت واطي، لكنه كان أشد من الصريخ:
“إنت رايح فين؟”
رد عز من غير ما يتهرب من عينه:
“هدور على غزل.”
العمدة ضحك ضحكة قصيرة، كلها غضب.
“وسايب عروستك في ليلة فرحك؟”
“البت مختفية يا بوي.”
“تبقى رجالة الدوار تدور.”
“وأنا أول واحد من رجالة الدوار.”
العمدة قرب لحد ما بقى وشه قصاد وش ابنه.
“دلوجتي… إنت مش ظابط.”
سكت ثانية، وكمل:
“إنت عريس.”
رد عز بحزم:
“وده يمنعني أقوم بواجبي؟”
“واجبك دلوجتي جوه أوضتك… مع مراتك.”
هز عز راسه بالنفي.
“لو غزل في خطر، مش هعرف أقعد دقيقة.”
اتبدلت ملامح العمدة.
وقال بنبرة كلها تحذير:
“الاسم ده… متجبوش على لسانك الليلة.”
رد عز بسرعة:
“وليه؟”
“عشان دي خدامة.”
“لا… دي إنسانة.”
العمدة ضرب عصايته في الأرض.
“كفاية!”
لكن عز ما سكتش.
“كل مرة يحصل لها حاجة… حضرتك أول واحد تمنعنا نقرب.”
“عشان أنا أعرف مصلحتكم.”
“ولا عشان في حاجة مستخبيها؟”
الصمت نزل على المكان.
كل اللي واقفين حسوا إن الكلام بقى أخطر من الأول.
العمدة لف ناحية الغفر.
“سيبونا.”
في ثواني، الدوار فضي.
بقي الأب وابنه واقفين قصاد بعض.
قال العمدة:
“تعالى ورايا.”
طلع قدامه ناحية المكتب.
دخل الأول، واستنى عز يدخل، وبعدها قفل الباب بنفسه.
لف الكرسي ناحية ابنه.
“اقعد.”
فضل عز واقف.
“أنا مرتاح إكده.”
ابتسم العمدة ابتسامة باهتة.
“أبوك بيكلمك… ولسه واقف؟”
رد عز بهدوء:
“قول اللي عندك.”
سكت العمدة شوية، وكأنه بيدور على الكلمات.
“إنت فاكر إن الرجولة إنك تمشي ورا قلبك؟”
“لأ.”
“أمال إيه الرجولة عندك؟”
“إني محطش راسي على المخدة وأنا عارف إن في حد محتاجني وسيبته.”
العمدة بصله طويل.
“إنت اتغيرت يا عز.”
“يمكن… ويمكن أنا بدأت أشوف حاجات مكنتش شايفها.”
“زي إيه؟”
“زي إن كل ما اسم غزل يتجاب… حضرتك تتوتر.”
العمدة ملامحه جمدت.
“دخل البت دي حياتنا كان غلط.”
“غلط على مين؟”
“علينا كلنا.”
“ليه؟”
العمدة قرب من المكتب، وحط كفه عليه بقوة.
“متسألنيش السؤال ده تاني.”
“هفضل أسأله… لحد ما ألاقي إجابته.”
العمدة أخد نفسً عميقً، وقال بصوت منخفض:
“إسمعني زين يا عز… من النهارده، ملكش أي علاقة بغزل.”
اتشدت ملامح عز.
“وده أمر؟”
“أمر.”
“ولو رفضت؟”
رفع العمدة عينه في عين ابنه.
“يبقى هتخليني أعمل حاجة عمري ما تمنيت أعملها.”
“إيه هي؟”
قالها العمدة ببطء، وكل كلمة كانت أثقل من اللي قبلها:
“هخرج غزل من الدار… ومش هتدخلها تاني طول ما أنا عايش.”
اتجمد عز مكانه.
عرف إن أبوه مش بيهدد… وإنه لو قال كلمة، هينفذها فعلًا.
وقبل ما يرد…
اتفتح باب المكتب من غير استئذان.
دخل الغفير منصور وهو بينهج، ووشه كله تراب.
“يا عمدة… ملقناش ليها اي اث
عز سأل الغفير “فين غزل؟”
الغفير هز راسه.
“ملقينهاش… بس لقينا طرحتها مرمية عند الترعة..
والعمدة لأول مرة، اختفى لون وشه، وكأن الخبر أكد أسوأ حاجة كان خايف منها.
جري عز من قدامة ومستناش يقولة اي كلمة..
……..
كانت شوارع البلد غارقانة في سكون الليل، ظلام كثيف بيبتلع كل حاجة حواليه، لا يُسمع فيه غير نباح كلاب بعيد، وصوت الهوا وهو يشق زرع الذرة في الحقول كأنه بيهمس بسر محدش يعرفه.

