ياسمين1

ندى الجمل

عدّى تلات أيام…
وأخيرًا فتحت عيني.
حسيت إن جسمي كله متكسر، وكل نفس باخده بالعافية.
أول كلمة خرجت مني كانت:
“ولادي… فين ولادي؟”
الممرضة ابتسمت وقالت:
“الحمد لله… التلاتة بخير، بس حضرتك لازم ترتاحي.”
غمضت عيني وأنا بحمد ربنا.
لكن فرحتي ما كملتش.
بعد شوية دخلت دكتورة ومعاها راجل لابس بدلة، عرّف نفسه إنه المدير الإداري للمستشفى.
وشه كان باين عليه الإحراج.
قال بهدوء:
“يا مدام ياسمين… فيه شوية إجراءات قانونية لازم تعرفيها.”
بصيت له باستغراب.
كمل كلامه:
“أستاذ كريم حضر يوم العملية، وسلّمنا إشهاد الطلاق بعد ما اتوثق… ومن ساعتها بقى حضرتك مش مسجلة كزوجته.”
استوعبت الكلام بصعوبة.
لكن الصدمة الحقيقية لسه جاية.
قال:
“وكمان شركة التأمين الخاصة بأستاذ كريم ألغت تغطية علاج حضرتك بمجرد انتهاء الزواج… والمستشفى بقت مطالبة بتحصيل تكلفة العلاج.”
دموعي نزلت من غير ما أحس.
أنا كنت بين الحياة والموت…
وهو كان بيفكر في الفلوس.
وفجأة الباب خبط.
دخل راجل في أواخر الستينات، لابس بدلة شيك جدًا، وفي إيده شنطة جلد.
قال بكل هدوء:
“أنا المستشار عادل فوزي… المحامي الخاص بالحاج محمود المنشاوي.”
أول ما سمعت اسم جد كريم، استغربت.
الحاج محمود مات من خمس سنين.
قعد قدامي وقال:
“أنا جيت أنفذ وصية كان مستني اليوم ده من سنين.”
اتسمرت مكاني.
فتح الشنطة، وطلع ملف قديم عليه ختم أحمر.
وقال:
“الحاج محمود كان عامل عقد أمانة للعيلة… وفيه بند محدش كان يعرفه غيري.”
بلعت ريقي وسألته:
“إيه هو؟”
رد وهو بيفتح الملف:
“لو أي حفيد من أحفاده طلّق مراته وهي في خطر على حياتها، أو خلال أربعين يوم من ولادة وريث للعيلة… يفقد فورًا حقه في إدارة ثروة العيلة.”
شهقت وأنا مش مصدقة.
قال وهو بيبصلي:
“والأغرب من كده… إن الوصاية على نصيب الأولاد في الثروة بتنتقل لأمهم.”
سألته بصوت مرتعش:
“يعني… كريم خسر كل حاجة؟”
ابتسم ابتسامة خفيفة وقال:
“لسه هيعرف.”
وفي نفس اللحظة…
رن موبايله.
رد بسرعة، وبعد ثواني قال:
“بدأ التنفيذ.”
ما فهمتش يقصد إيه.
لكن في نفس التوقيت…
كان كريم داخل مقر شركته.
دخل مكتبه بثقة، وطلب من مديره المالي يحول مبلغ كبير علشان يخلص صفقة بمئات الملايين.
فتح المدير الكمبيوتر…
وبعدين بص له في ذهول.
“يا فندم… الحسابات كلها متجمدة.”
كريم اتعصب.
“إنت بتهزر؟”
رد المدير وهو بيبلع ريقه:
“مش بهزر… فيه قرار من مجلس أمناء مجموعة المنشاوي بإيقاف كل صلاحيات حضرتك لحد إشعار تاني.”
لأول مرة…
اختفت الثقة من وش كريم.
ولأول مرة في حياته…
حس إن القلم اللي مضى بيه على ورق طلاقي، ممكن يكون السبب في خراب عمره كله.
في الجزء اللي بعده هنبدأ ندخل في المواجهة بين ياسمين وكريم، ونكشف سر البند اللي جده خبّاه عن العيلة كلها.
في أقل من ساعة…
الخبر كان وصل لكل مكاتب مجموعة المنشاوي.
الموظفين واقفين يتكلموا همس.
ومديري الفروع مش فاهمين إيه اللي حصل.
أما كريم…
فكان واقف في مكتبه بيصرخ في مديره المالي.
“إزاي حساباتي تتجمد وأنا صاحب الشركة؟!”
رد المدير وهو منكس راسه:
“دي أوامر مباشرة من مجلس أمناء العيلة يا فندم… ومحدش يقدر يخالفها.”
في اللحظة دي دخل السكرتير بسرعة.
“يا أستاذ كريم… أعضاء مجلس الإدارة مستنيين حضرتك في قاعة الاجتماعات.”
دخل كريم وهو متعصب.
لكنه اتفاجئ إن كرسيه في صدر القاعة عليه لافتة صغيرة مكتوب عليها:
“ممنوع الجلوس.”
بص لهم باستغراب.
فقام المستشار القانوني وقال:
“بناءً على تنفيذ البند رقم 17 من عقد أمانة عائلة المنشاوي… تم تعليق جميع صلاحياتك كرئيس لمجلس الإدارة.”
كريم ضرب بإيده على الترابيزة.
“إنتوا مجانين؟!”
رد المستشار بهدوء:
“لا يا فندم… إحنا بننفذ وصية جد حضرتك.”
خرج كريم من الاجتماع وهو بيغلي من الغضب.
أول حاجة عملها إنه ركب عربيته واتجه على المستشفى.
كان فاكر إنه أول ما يشوفني هيقدر يقنعني أتنازل.
دخل أوضتي من غير حتى ما يخبط.
أول ما شفته…
قلبي وجعني.
مش حب…
لكن قهر.
وقف قدامي وقال:
“ياسمين… لازم نتكلم.”
بصيتله من غير ما أرد.
قرب مني وقال بنبرة هادية لأول مرة:
“اللي حصل كان سوء تفاهم.”
ضحكت…
ضحكة كلها وجع.
وقلت:
“سوء تفاهم؟”
“وأنا بموت… كنت بتمضي على ورق طلاقي.”
سكت.
كملت وأنا ببص في عينيه:
“الدكتور كان بيقولك مراتك بين الحياة والموت… وإنت كنت مستعجل تعرف الطلاق هيخلص إمتى.”
فضل ساكت.
قلت:
“إنت حتى ما سألتش إذا كنت عشت ولا مت.”
نزل بعينه في الأرض.
وبعدين قال:
“أنا كنت مضغوط…”
قاطعته:
“وأنا كنت بموت.”
سكتت ثواني…
وبعدين قلت آخر جملة كان مستحيل ينساها طول عمره:
“أنا سامحتك كزوج…
لكن كأب لأولادي…
عمري ما هسامحك.”
في اللحظة دي دخل المستشار عادل.
بص لكريم وقال:
“كنت متأكد إنك هتيجي.”
رد كريم بعصبية:
“أنا عايز حل.”
فتح المستشار ملف صغير، وقال:
“الحل الوحيد إن مدام ياسمين تتنازل عن تنفيذ البند.”
بص كريم ناحيتي لأول مرة بنظرة كلها رجاء.
لكن قبل ما يتكلم…
قلت بمنتهى الهدوء:
“أنا مش هتنازل.”
اتسعت عينه من الصدمة.
وقبل ما يرد…
رن موبايل المستشار.
رد على المكالمة، وبعدها ابتسم ابتسامة خفيفة وقال:
“واضح إن الأخبار السيئة لسه مخلصتش.”
سأله كريم بقلق:
“في إيه؟”
رد المستشار:
“هيئة الضرائب بدأت تراجع كل شركاتك… والبنوك أوقفت أي تسهيلات ائتمانية ليك.”
في اللحظة دي…
عرف كريم إن سقوطه الحقيقي لسه بدأ.

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *