بعد موت جوزها

وقلبها دق بسرعة من الطريقة اللي بيتكلم بيها. ما كانتش نبرة راجل مسكين أو محتاج شغال بالسخرة زي ما مرات أباها رسمته، دي كانت نبرة راجل أمره مطاع.
كملوا مشي في السكة التراب لحد ما وصلوا لأطراف الناحية التانية من البلد. الدنيا كانت كحل، ومفيش غير نور القلم الرصاصي بتاع القمر. قربوا من بيت طين قديم وشكله يوجع القلب، السور بتاعه مكسور والباب الخشب محتاج يتغير من سنين.
عادل طلع مفتاح قديم، فتح الباب وصوت المفاصل الصدية ضرب في الهدوء بتاع الليل.
ادخلي يا ليلى… البيت متواضع، بس أمان.
دخلت ليلى وهي ضامة ياسر ابنها الصغير لحضنها، كأنها بتدفي نفسها بيه. اللمبة السهاري النازلة من السقف كانت بتنور أوضة صغيرة فيها كنب بلدي قديم، وسجادة متآكلة من الأطراف. بس اللي لفت نظرها إن المكان كان نضيف جدًا، وريحة العود تفوح منه بعكس شكل البيت المكركب من برة!
عادل شال الشنطة وحطها في الأوضة الجوانية وقالها
أنا عارف إنك تعبانة ومسحوقة من اللي شفتيه. الأوضة دي ليكي أنتِ وياسر، خدي راحتك تمامًا. أنا هنام في الصالة برة، ومفيش مخلوق يقدر يقرب منك طول ما أنا حي.
سيبته ودخلت الأوضة، قفلت الباب وقعدت على طرف السرير الضيق. كانت حاسة بذهول.. الراجل ده مين؟ وليه طريقته محترمة زي زيادة عن اللزوم؟ وليه بيعمل كل ده وهو فاكر إنها غلبانة وهو أغلب منها؟ اتغطت هي وابنها، ومن كتر التعب والضغط اللي عاشته أربع شهور، راحت في نوم عميق ما دقتهوش من يوم ما حسام جوزها مات.
مرت أيام، وليلى بدأت تتعود على الروتين الجديد. عادل كان بيخرج من الصبح بدري جدًا وما بيرجعش غير على آخر النهار. بس الغريبة إن البيت ما كانش ينقصه حاجة أبداً! كل يوم الصبح، تلاقي على الطاولة أكل طازة، لبن لياسر، فاكهة، وحتى أدوية أو حاجات محتاجاها البيت من غير ما تطلب.
وف يوم، بعد حوالي أسبوعين، ياسر سخن فجأة وشاطت حرارته. ليلى كانت هتتجنن من الخوف، بتعمله كمادات والمية بتطلع بخار من جسمه. ما كانش عندها تلفون تطلب بيه عادل، والوقت كان بعد الضهر.
قررت تخرج الشارع تدور على حد يساعدها أو تروح للوحدة الصحية. شالت ياسر ونزلت تجري بيه في شوارع البلد. وهي ماشية تتكعبل، لمحت ناس كتير متجمعين عند أكبر سرادق ومقر تجاري في البلد كلّهامقر مجموعات العطار للتجارة والاستثمار، وهي أكبر شركة بتمتلك أراضي ومصانع وبتشغّل نص رجال البلد.
وفجأة، وقفت عربية جيب سوداء فخمة جدًا، أحدث موديل، ونزل منها حراس أمن ببدل سودا بيوسعوا الطريق. الناس في الشارع وقفوا على الجنبين باحترام وخوف وشغف.
ليلى وقفت ورا الناس وهي ماسكة ابنها وبتعيط من القلق، وفجأة الباب الوراني للعربية اتفتح…
نزل منه راجل ببدلة كحلي متفصلة عمومي، لابس ساعة دهب بتلمع تحت الشمس، شعره متظبط وذقنه مهذبة بعناية، وف إيده ملفات بيراجعها بصرامة وهيبة ترهب أي حد يلمحه.
ليلى برقت عينيها، وحست إن أركان الدنيا بتتهز تحت رجليها…
الراجل ده… هو عادل!
نفس الملامح، نفس العينين، بس الشغص اللي واقف قدامها ده مش الراجل الفقير اللي لابس قميص باهت وجزمة دايبة! ده الراجل اللي البلد كلها بتعمله ألف حساب، ده عادل العطار أكبر رجل أعمال في المحافظة كلها!
في اللحظة دي، عين عادل جازت في وسط الزحمة ووقفت عند ليلى. لما شاف دموعها وابنها المرمي في حضنها، ملامح الصرامة والعملية اتغيرت في ثانية لملامح قلق ورعب حقيقي.
ساب السكرتير والحراس وراه، ومشى بخطوات سريعة ومستقيمة ناحيتها وهو بيتخطى الناس اللي واقفة مذهولة. وصل عندها، وبعلو صوته اللي هز الشارع قال لحرسه
افتح العربية بسرعة! جهزوا مستشفى العطار فوراً!
قلع جاكت البدلة الغالي وحطه على كتف ليلى عشان يدفيها، وشال ياسر من إيدها بحنية واهتمام كأنه ابنه من صلبه، وقالها بصوت هادي يطمن قلبها
متخافيش يا ليلى.. أنا جنبك، ياسر هيبقى بخير.
الشارع كله كان يتهامس
مين دي؟! دي مراته؟!
هو الباشا اتجوز؟! ومين الست دي اللي لابسة أسود؟!
ركبها العربية الفخمة، وانطلقت بيهما للمستشفى. في خلال دقائق، كانت أكبر دكاترة المحافظة واقفين على رجل واحدة بيمحصوا الطفل ويطمنوا عادل باشا إنها مجرد دور برد شديد وسبّب سخونية، وإنه هيدوه علاج وهيتحسن في ساعات.
في أوضة الفندق الخاصة بالمستشفى، ياسر كان نايم على السرير والطفل بدأ يهدى والحرارة تنزل. ليلى كانت واقفة جنب الشباك، باصة لعادل اللي كان واقف ساند ضهره على الحيطة، حاطت إيده في جيبه وبيرقبها بهدوء.
قالت بصوت يرتعش من الصدمة والغضب
أنت مين يا عادل؟ أو أقول يا عادل باشا؟ ليه مثّلت عليا وعلى مرات أبايا؟ ليه دخلتني بيتك القديم ولابستني الوش ده؟ أنت بتلعب بيا ولا عايز تذلني؟
عادل قرب منها بالراحة، وابتسم ابتسامة هادية فيها حزن قديم، وقال
أنا ما لعبتش بيكي يا ليلى، ولا عمري هفكر أذل حد. أنا فعلاً عادل العطار… الراجل اللي عنده كل حاجة، بس في نفس الوقت معندوش ولا حاجة تسوى.
تنهد وقعد على الكرسي وكمل كلامه
من سنة تقريبًا، حسام الله يرحمهجوزك الأولانيكان شغال في وحدة من شركاتي. كان جدع وأمين، وقبل ما يموت بأيام في الحادثة، كان بيتكلم معايا وكان خايف عليكي وعلى ابنه من قسوة

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *