طلقت مراتي 2

فتحت الباب ببطء وأنا أداري وجهي كالعادة، لكن الشخص الواقف أمامي لم يكن يحدق في بقع وجنتي، ولم يكن ينظر إليّ بنظرة شفقة أو ذهول. كان رجلاً في الخمسينات من عمره، يرتدي بدلة أنيقة، وملامحه هادئة وصارمة. لم يكن غريباً عني؛ إنه الدكتور “شاكر”، أستاذ الجلدية الكبير الذي ذهبت إليه برفقة هيام في أول يوم اكتشفنا فيه مرضها.

تراجعت خطوة للخلف بزعر وقوت: “دكتور شاكر؟! حضرتك بتعمل إيه هنا؟ وعرفت عنواني منين؟”

نظر إليّ بنظرة ثاقبة، ثم قال بهدوء وهو يخطو داخل الصالة دون انتظار إذن مني: “ماجد صديقك زارني في العيادة الليلة دي يا أحمد. حكالي كل حاجة، وطلب مني أتدخل قبل ما تعمل في نفسك حاجة.. أو بمعنى أصح، قبل ما الخوف يقضي على اللي باقي من عقلك.”

أغلقت الباب والتفتت إليه، وجلست على الكنبة وأنا أخبئ وجهي بين كفيّ، ودموعي تسيل فوق البقع البيضاء: “جاي تشوف عقاب ربنا ليا يا دكتور؟ جاي تشوف الشاب اللي مكنش بيطيق يشوف بقعة صغيرة على كوع مراته، وهو وشه بيتاكل بالبهاق؟”

جلس الدكتور شاكر أمامي، وأخرج من حقيبته دفتراً صغيراً، وقال بنبرة حازمة: “قعدت أشرحلك في العيادة من أسبوعين إن البهاق مش معدي، وإن مالوش علاقة باللمس، لكن عقلك المريض بالكمال رفض يسمع. ودلوقتي، عقلك لسه مريض.. بس مريض بالخوف والوهم.”

رفعت رأسي بذهول: “وهم؟ يعني إيه وهم؟ البقع دي وهم؟! دي حقيقة في ورياني وفي وشي وفي كل حتة!”

مد الدكتور شاكر يده وأمسك بكفي الأيمن بقوة، ثم أخرج من جيبه قطنة مبللة بسائل شفاف، وبدأ يمسح البقعة البيضاء التي على ظهر كفي بعنف. شعرت بلسعة باردة، ومع كل مسحة، كانت البقعة البيضاء تتلاشى.. وتترك مكانها لون جلدي الطبيعي!

اتسعت عيناي بصدمة، واندفعت نحو الحمام. أمسكت القطنة وأخذت أمسح البقع التي على وجنتي وتحت عيني، فبدأت تذوب وتزول في الحوض كأنها مسحوق أبيض. التفت للدكتور شاكر وأنا أرتجف، غير مصدق: “ده.. ده مكياج؟ ده ألوان؟ إزاي؟ أنا مصحتش الصبح وعملت كده في نفسي!”

وقف الدكتور شاكر على باب الحمام وقال بأسف: “أنت مصحتش عملت كده في نفسك، بس أنت نمت نوم عميق جداً من كتر الهروب والصراع اللي جواك. ليلة طلاقك لهيام، والدتها وأخوها وماجد جم هنا الشقة عشان ياخدوا باقي حاجاتها اللي نسيتها.. شافوك نايم زي القتيل من كثرة المهدئات اللي كنت واخدها. هيام رفضت تماماً إنهم يصحوك أو يعملوا مشكلة، بس أخوها، من كتر قهرته على أخته وعلى كلامك الجارح ليها، قرر يلقنك درس عمرك ما هتنساه. جاب ألوان سينمائية ثابتة من اللي بتستخدم في الخدع، ورسم البقع دي على وشك وإيدك بدقة شديدة وأنت مش حاسس بالدنيا.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *