3سنين حكايات علي ابو الدهب 1

لمدة 3 سنين كاملين، كنت فاكرة نفسي أرملة وبربي ابني “مازن . لحد ما ابني اللي عنده 9 سنين شاور على راجل غريب في الطيارة وهمس بكلمات خلت دمي يتجمد في عروقي: “ماما.. ده بابا”.
“ماما.. الراجل ده هو بابا”.
صوته كان واطي جداً، لدرجة إني اتمنيت أكون سمعت غلط بسبب دوشة الطيارة. بس مازن كان واقف جنبي، وشه أبيض زي الملاية وبيرتعش، وماسك في ضهري كأنه خايف الأرض تنشق وتبلعه.
الرحلة من القاهرة لشرم الشيخ كانت هادية وزي الفل لحد اللحظة دي. فريدة كانت حوشت تمن التذاكر دي بالعافية، مش عشان الرفاهية، لكن عشان تخرج ابنها من حالة الحزن اللي هو فيها. بقالها 3 سنين بتربي مازن لوحدها بعد ما جوزها “احمد” مات ف حادثه
محدش لقي ج*ثة، ولا حتى أثر.
من يوم الحادثة وياسين بيرسم بيوت من غير أبواب، والدكاترة قالوا ده حزن الأطفال اللي مش عارفين يعبروا عنه.
بس دلوقتي، ابني شاور على الراجل اللي قاعد في الصف الأول.
“هو ده يا ماما”، همس مازن. الراجل اللي لابس قبعة بيج وشكله غريب.
.قلبي كان بيدق بجنون. حاولت أقنع نفسي إن ده مجرد شبه، وإن وجع الفراق بيخلينا نشوف اللي بنتمناه في وشوش الغرباء. لكن فجأة، الراجل ده رفع إيده عشان ياخد كوباية العصير، وشفت الندبة اللي في ضهر إيده الشمال.
الندبة دي “أحمد” عملها لما اتعور في المطبخ قبل ما “مازن” يتولد بسنة، وأنا اللي خيطتها له بإيدي!
الراجل ده كان المفروض ميت.. أو ده اللي الحكومة والمحاضر قالتهولي!
“يا ماما.. ده بيلعب في دبلة جوازه”.. قال مازن وعينيه مليانة دموع.. “بالظبط زي ما بابا كان بيعمل لما بيتوتر”.
غمضت عيني.. الحركة دي كانت الكارثة. أحمد كان بيفرك دبلته لما يكذب، لما يخبّي حاجة، ولما كان بيسيب البيت ويغيب بالأيام
لما الطيارة نزلت، فضلت قاعدة مكاني لحد ما الركاب نزلوا. شفت الراجل ده وهو بيسحب شنطته، وشفت الست اللي معاه، وبمجرد ما الشمس ضرت وشه، اتأكدت.. ده أحمد! دقنه متغيرة، ووزنه خاسس، وشعره شيب، بس هو.. هو أحمد!
ياسين كان هيجري عليه، بس مسكته بسرعة: “استنى يا مازن”.
مشينا وراه من بعيد في المطار. شفت أحمد كان ماشي بثقة، زي واحد مفيش وراه ميت ولا وراه ذكريات. قربت من موظف المطار وسألت بصوت مخنوق: “لو سمحت، فيه راكب اسمه أحمد.. على الرحلة دي؟”.

